السبت 14 رجب 1423 هـ الموافق 21 سبتمبر 2002 على خلفية الهستيريا العالمية الراهنة التي يثيرها الرئيس بوش للتحضير لضربة عسكرية تستهدف الاطاحة بنظام الرئيس العراقي صدام حسين أرجو ان تتأملوا معي هذه الصفحة من التاريخ القريب. الزمان: 23 فبراير 1990. المكان: العاصمة الأردنية عمان. وصل الرئيس صدام حسين للمشاركة في مؤتمر قمة عربية مصغرة للاحتفال بالذكرى الأولى لقيام «مجلس التعاون العربي» الذي كان يضم مجموعة من أربع دول عربية هي العراق والاردن واليمن ومصر، وانشئ بمبادرة من بغداد. بالنسبة إلى الرئيس العراقي كانت تلك مناسبة ذات أهمية خاصة، فقد كان يعتزم القاء خطاب يضع العالم العربي وجها لوجه مع نفسه. وعندما اكتمل حضور القادة العرب في اليوم التالي في «استاد» عمان للمشاركة في مهرجان ديني للاحتفال بذكرى الاسراء والمعراج فانهم وجدوا الرئيس العراقي مهيئاً لالقاء خطاب على قدر عظيم من الجدية. استهل الرئيس صدام خطابه بالقول ان العالم يتغير بطريقة دراماتيكية تقلق الأمة العربية. وقال ان انهيار الاتحاد السوفييتي جعل الولايات المتحدة في موقف المتحكم في السياسة الدولية مما بدوره جعل العرب مكشوفين بصورة خطيرة للقوة الأميركية والاسرائيلية، ومضى يقول: إذا أخذنا في الاعتبار ان نفوذ اللوبي الصهيوني على السياسات الاميركية يظل قوياً كما كان دائماً فإن على العرب ان يأخذوا في الاعتبار ان هناك احتمالاً حقيقياً بأن اسرائيل قد تقدم على حماقات جديدة خلال السنوات الخمس المقبلة، وقال ان هذا قد يحدث كنتيجة لتشجيع مباشر أو ضمني من الولايات المتحدة. ومضى الرئيس العراقي في خطابه مندداً بالتشجيع الأميركي لهجرة غير مسبوقة لليهود السوفييت إلى الأراضي الفلسطينية والدعم الاميركي المتواصل والمتعاظم لمخزونات الكيان الصهيوني من أسلحة الدمار الشامل. ومن ثم أصدر صدام نداء إلى العرب بضم الصفوف «من أجل مواجهة الدولة العظمى». وقال: لا مكان بين صفوف العرب الاخيار لضعاف النفوس الذين يقولون ان الولايات المتحدة كدولة عظمى هي العامل الحاسم وانه بالتالي ليس أمام الآخرين خيار سوى الاستسلام. ـ ـ ـ ولنعد إلى ما قبل تاريخ هذا الخطاب بقليل. فحتى صيف عام 1988 كان العراق هو الطرف الذي حظي بالدعم الاميركي الاكبر في الحرب العراقية الايرانية، ولكن يبدو ان توجه السياسة الخارجية العراقية طرأ عليه تغيير حاسم بعد نهاية هذه الحرب. فقد وجهت صوب اسرائيل، وبالتالي الولايات المتحدة ولكل فعل رد فعل وبالتالي فإن العداء الاميركي المكشوف حاليًا ضد عراق صدام تعود جذوره إلى حقبة ما بعد الحرب العراقية الايرانية مباشرة. وارتكبت بغداد خطأ غزو الكويت بعد سنتين من نهاية الحرب مع ايران لتوفر ذريعة جاهزة للولايات المتحدة لتصعيد عدائها ضد العراق كماً ونوعاً. وإذا كان من بين اسباب التحرش الاميركي الراهن بالعراق ان السلطات العراقية تدفع لكل أسرة من أسر الاستشهاديين الفلسطينيين مكافأة بقيمة 25 ألف دولار نقداً فإن هذا التحرش هو في حقيقته صدى لغضب واشنطن تجاه الخط المتشدد الذي كان يمثله ضمن ممارسات أخرى ذلك الخطاب الذي ألقاه الرئيس العراقي في العاصمة الاردنية عام 1990، ويقول مؤرخو تلك المرحلة ان الخطاب كان موجها إلى جمهور أكبر من جمع القادة العرب، فقد كان الخطاب منقولاً نقلاً حياً بواسطة التلفزيون الأردني.. وبذلك كان جمهور مشاهديه مئات الألوف من جماهير الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة بينما الانتفاضة الفلسطينية الأولى في ذروتها. لكن للعداء الاميركي ضد العراق وجه آخر غير موقف بغداد تجاه قضية الشعب الفلسطيني وفي الحقيقة فإن القلق الذي انتاب الولايات المتحدة بعد الاحتلال العراقي للكويت كان نابعاً من حقيقة ان 15 في المئة من الانتاج النفطي العالمي بات فجأة تحت سيطرة قوة اقليمية تنتهج سياسة متشددة تجاه الولايات المتحدة واسرائيل.. علماً بأن هذا لا يصلح كتبرير عراقي للغزو، فقد كان الاحتلال العراقي للكويت مع ذلك، كما ذكرنا، خطأ شنيعاً. لكن شاهد القول هو ان الهستيريا التي تثيرها الآن ادارة بوش ضد العراق للتمهيد للاطاحة بنظام تعود إلى سببين غير معلنين اميركياً، فلسطين والنفط. وليس هذان السببان بلا رابطة عضوية، فالولايات المتحدة تتخوف من بروز عراقي مستقبلي يستعيد السيادة على موارده النفطية بالكامل بعد التحرر من العقوبات الدولية، بينما في الوقت نفسه يعطي المقاومة الفلسطينية بلا حساب. الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |