السبت 14 رجب 1423 هـ الموافق 21 سبتمبر 2002 تضمن خطاب الرئيس الأميركي في الأمم المتحدة اشارات واضحة الى التشكيك في مصداقية الامم المتحدة في حالة فشلها في اتخاذ قرار حاسم يردع العراق ويرغمه على تنفيذ القرارات التي اتخذت في حقه. ولم يكن هذا التشكيك يهدف الى اظهار عجز الهيئة الأممية عن تنفيذ الدول القرارات التي تتخذ في حقها لانه لم تكن لهذه الهيئة اية مصداقية منذ تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية شأنها في ذلك شأن عصبة الامم التي ظهرت بعد الحرب العالمية الاولى، فكل هذه المنظمات كانت رهينة لسياسات القوى العظمى وهذا ما يحصل مع هيئة الأمم المتحدة اليوم التي يظهر انها سوف تتحول بعد خطاب الرئيس الاميركي الى هيئة محكمة تعاقب الجاني على افعاله كما يريده منها الرئيس الاميركي ويريدها ان تكون اداة شاهدة على هجماته المقبلة على العراق، فهذا الهجوم اصبح لا مفر منه بالقياس الى المعطيات الراهنة التي تصب في اتجاه تصعيد مؤشر الحرب. الموضوع لم يعد يتعلق بازالة أسلحة الدمار الشامل التي تحاول الادارة الاميركية جاهدة اقناع العالم بأن العراق لا يزال يمتلكها، بل الموضوع اصبح يتلخص في عزم الادارة الاميركية على تنصيب نظام سياسي جديد موال لها يشبه الى حد بعيد النظام الافغاني، وهذا السيناريو الذي تعمل من اجل تحقيقه الادارة الأميركية ليس بسر على اي محلل لتوجهات الادارة الاميركية الحالية، فهذه التوجهات تصب في اتجاه وضع ملامح نظام دولي جديد تؤسس له الولايات المتحدة الاميركية، وكان والد الرئيس الاميركي الحالي اشار اليه بعد تحرير الكويت، ومن محددات النظام الدولي الجديد ان تعمل دول العالم مجتمعة على تنفيذ السياسات الاميركية في كل المجالات وتنفذ هذه السياسات حكومات موالية للادارة الاميركية، بمعنى آخر اننا سوف نعيش مرحلة دولية شبيهة الى حد بعيد بمرحلة الامبراطوريات الاستعمارية التي كانت سائدة في القرون الماضية كما كان الحال عليه بين الامبراطورية العثمانية ومستعمراتها في الوطن العربي حيث كانت المنطقة العربية تتبع الباب العالي الذي كان مقيما باسطنبول، واليوم بدأت وجهة العالم المركزية تتحول الى البيت الابيض الذي يتولى تسيير الشئون الدولية لكن بتوظيف الأمم المتحدة في عملية الادارة الجديدة الى حين تبسط الولايات المتحدة الأميركية نفوذها العسكري والاقتصادي والسياسي على الدول التي لاتزال تعارضها وكانت اسمتها بدول الشر وتعني التسمية الدول التي تعرقل الولايات المتحدة الأميركية على تثبيت قيادتها للعالم. اليوم ما تريده الولايات المتحدة الأميركية هو ازالة اي نظام سياسي يعارضها واذا كانت البداية من الاتحاد السوفييتي ثم حكم طالبان وغدا العراق، فإن سياستها سوف تطال العديد من الانظمة السياسية ولن يوقفها احد طالما انها تمتلك وسائل القوة ولا تجد أية معارضة من حلفائها. فربما ان بعض الدول تعتقد ان دول الاتحاد الأوروبي يمكن ان تقف ندا للولايات المتحدة الاميركية الا ان ذلك لا يمكن ان يحصل، ان اوروبا لا تزال استعمارية في فكرها السياسي ولاتزال تنظر الى المنطقة العربية انها تتبع نفوذها، فهي وان كانت عارضت الادارة الأميركية في ضرب العراق فليس ذلك لانها ارادت ان تقف مع الضعيف على القوي، بل لانها تتخوف من ان تفقد مصالحها في هذا البلد، والأكيد انها سوف تشارك في حرب الولايات المتحدة الأميركية على العراق ان وافقت لها الادارة الأميركية على ضمان مصالحها هناك خاصة مصالحها النفطية ونعني بذلك تحديدا فرنسا وألمانيا، وقد بدأ التغير يظهر في خطابها السياسي من الملف العراقي، فبينما كانت فرنسا تعارض بشدة اي ضربة على العراق ها نحن نجدها بعد خطاب الرئيس الأميركي تقولها علانية انها مع الحرب ان كان هناك قرار صادر من مجلس الأمن، وفرنسا تريد ان تخدعنا انها مع الشرعية الدولية وهي تعلم انه لم توجد يوما شرعية دولية لان دولاً عديدة في مقدمتها اسرائيل تقولها علانية بأنها تضرب بالقرارات الدولية عرض الحائط وطوله لانها تعرف انه لا توجد شرعية بل توجد سياسة واحدة هي السياسة المكيافيلية ولنا ان نتساءل لو كانت هنالك قوة دولية تضاهي الاتحاد السوفييتي السابق هل كان للولايات المتحدة ان تتصرف بهذه السلوكيات المتطرفة والتي نقول انها سلوكيات استعمارية سبق لفرنسا وبريطانيا وألمانيا ان عملت بها في القرون الماضية؟ اليوم تشعر الولايات المتحدة الاميركية انها قوة فعلية وبقية دول العالم ضعيفة وهذا الشعور بالاستعلاء دفعها من دون ان تشعر بذلك الى التطرف في اتخاذ مواقف تجاه دول العالم لانها تعلم ان لا دولة من دول العالم بإمكانها ان تقول لها قفي عند حدك، بل لا تجرؤ أية دولة ان تنتقدها علانية او على الأقل في وسائل الاعلام لأنه لو حصل ذلك فإنه سوف تتخذ في حقها اجراءات رادعة أليست تلك سياسة استعمارية جديدة تريد الادارة الاميركية ايهامنا بها واقناعنا بأنها تعرف مصلحة العالم بل وتقول ان لها مسئوليات تجاه العالم؟ اما نحن العرب هل في مقدرتنا الدفاع عن العراق؟ الجواب لا يمكن لنا طالما اننا لا نمتلك وسائل الردع والتأثير وبقي لنا الا ان نتفرج على ما سيحصل في المستقبل القريب ولا نكتفي في هذه الحالة الا بالتنديد وببيانات الشجب هذا واقع يجب ان نعترف به طالما اننا لا نزال لا نعرف اين مصالحنا القومية ومن اين تبدأ واي دور لنا في هذا العالم الذي يتكالب علينا.. الخوف كل الخوف ان يأتي يوم ننقرض من عالم الدول هذا العالم الذي لا يحترم الضعفاء. ـ كاتب جزائري الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |