السبت 14 رجب 1423 هـ الموافق 21 سبتمبر 2002 ما أن انتهى الرئيس الأميركي من خطابه في الأمم المتحدة حتى تعالت أصوات معظم الأوروبيين الرسميين بالثناء على الموقف الأميركي. ولأن الموقف الأميركي ليس فيه أمر جديد جوهري، يكشف الموقف الأوروبي بجلاء عن حقيقته خاليا من التزويق. فلم يكن الموقف الأوروبي، في عمومه، ضد الحرب كمبدأ، ولكن ضد النهج الأميركي في طريقة إدارة الحرب. فأميركا بعد التذبذب الذي اعترى سياستها في السنوات التي تلت انتهاء الحرب الباردة بين التعددية والتفرد، حسمت أمرها بعد الحادي عشر من سبتمبر، وقررت أنه ضياع للوقت وللمغانم البقاء في ساحة التعدد. وقد أثار ذلك حنق الأوروبيين، فبدأوا يشنعون على الأميركان مواقفهم في أكثر من قضية وموضوع. وقد فرض السخط الأوروبي نفسه على الساحة السياسية الأميركية، فارتفعت أصوات من كان لهم صول وطول في الحرب الباردة تنعي على رجال الإدارة الحالية فجاجتهم السياسية. فالمعترضون من السياسيين الأميركان ليسوا بالداعين لاستمرار المعادلة الدولية على ما كانت عليه، فهم يدركون تغير ظروفها، ولكنهم يرون أن القطع والحسم في العلاقات الدولية غير منتج، ومؤدي للمشاكل. فهم يرون أن نهج التفرد يمكن أن يجري على منوال لا يثير الغضب. ففي نظرهم أن الإدارة الأميركية الحالية ( تحمل العصا وتتكلم بصوت مرتفع )، بينما الأمكر أن تحمل العصا وتتكلم بصوت ناعم. وقد وجد هذا الاعتراض صداه في الرأي العام الأميركي. والإدارة الحالية لا تهتم بالأمم المتحدة لأنها تعتبرها فاقدة المعنى ومعطلة لما تريده أميركا، وقد قال ذلك بوش في خطابه وإن غلف رأيه بصيغة التساؤل. إلا أن الإدارة تهتم برأيها العام وبالكونغرس الأميركي، ولا يمكن أن تتجاهلهما كما يحلو لها أن تتجاهل الأمم المتحدة. فتجاهل الأخيرة لا يعرضها لمخاطر، أما تجاهل الأولى فمحفوف بها. فذهاب بوش إلى الأمم المتحدة لم تستدعه أسباب خارجية بل أملته متطلبات داخلية. فقد أراد بوش أن يقول للأميركان أنه يأخذ برأي المعترضين في مجتمعه في ضرورة بناء التحالفات. هذا هو الباعث الأساسي لخطابه أمام الأمم المتحدة. وقد كان الخطاب نفسه فصيحا بهذا المعنى. فقد وبخ الأمم المتحدة لأنها لا تفعل شيئا لتطبيق قراراتها التي تهم سيد العالم، ثم أخبرها أن قواعدها وأحكامها لا تسري على الولايات المتحدة، إذ ستتصرف الولايات المتحدة في العالم إن وافقت الأمم المتحدة أم لم توافق. كما هددها بأن عدم الموافقة على المطالب الأميركية سيجعلها معدومة القيمة. لكن الرئيس الأميركي لم يقل رأيه في الأمم المتحدة بالصيغة والحدة التي استعملها في إنذار العراق. هذا هو الفرق. في الشكل وليس في الجوهر. ومع ذلك فقد فرح كثيرون بهذا الخطاب، وبالذات الأوروبيون. فلماذا؟ لسببين. الأول، إدراك هذه البلدان أن لا حول لها في مواجهة هذا المارق العملاق، لكن مجيء بوش إلى الأمم المتحدة أنقذها من فضيحتها. فقد مد لها يد الإنقاذ، شكلا، حينما أظهر أن الولايات المتحدة عادت إلى حظيرة الأمم المتحدة. فكل ما قاله بوش، هو أنه يعطيهم الفرصة ليوافقوا على ما يريد. الثاني، أن هؤلاء يطمحون بأن يكون لموافقتهم ثمن مهما كان ضئيلا، قبل الحرب، أو بعدها، في العراق أو خارجه. حتى روسيا والصين سال لعابهما لتنازلات في الشيشان وتايوان. فأكثر ما يغيظ الأوروبيين، تجاهل الإدارة الأميركية لهم، وتخليها عن قواعد اللعبة التي حكمت علاقاتهم. فقد كانوا يعتقدون أنهم شركاء في قيادة العالم وتوزيع منافعه، وإن كان للولايات المتحدة المرتبة الأولى.غير أن الولايات المتحدة لا ترى أن خدمات الأوروبيين تقتضي معاملتهم معاملة الشركاء. فأوروبا في نظرها ليس لديها مخالب أو أنياب حديدية، حتى أن أحد المعلقين الأميركان قال إنه إذا أرادت أوروبا أن تكون دولة ( ما بعد الحداثة )، أي أن لا تعد العدة للحرب، فعليها أن تدفع ثمن ذلك. فأميركا ستحمي الآن أوروبا من الإرهاب، كما حمتها في السابق من الشيوعية، وعليها أن تقبل بالقيادة المطلقة للولايات المتحدة. كما أن أوروبا ليست قوة سياسية، فهي غير قادرة أن تتخذ موقفا سياسيا واحدا، فلم يجب على الولايات المتحدة أن تعاملها بناء على المأمول لا على أساس المعقول. وقد قال فيشر، وزير خارجية ألمانيا ( إن وضع أوروبا السياسي متخلف عن وضع أميركا بمائتي عام، ومازالت أوروبا كما كانت أميركا في عهد الفدراليين، أي قبل وضع الدستور الأميركي). فبادرة الرئيس الأميركي التي بسط فيها لسان الإغراء بالتعددية الشكلية أثلجت صدور الأوروبيين، لأنها بعثت في نفوسهم الأمل، بأن عجزهم عن بناء واجهة سياسية واحدة وضعفهم في مواجهة أميركا لن يكون موضع اختبار، بل سيخفيه دثار التعددية الذي ألقاه بوش عليهم. كما أن روسيا والصين بدتا مرتاحتين. فمظهر التعددية إنقاذ لهما أيضا من كشف عجزهما في مواجهة الولايات المتحدة. فقد كان من الصعب عليهما القبول بالتفرد الأميركي الصريح. ولم تكن الفظاظة الأميركية تتيح لهما، أمام الرأي العام الدولي وأمام شعبيهما، القبول بالإملاءات الأميركية الصريحة على العالم. أما الآن فيمكنهما، كما الأوروبيين، التستر بدثار التعددية الشكلية، والزعم أن موافقتهما على حرب أميركا هو مطلب المجتمع الدولي واختياره الحر. وقد تملك الأوروبيون السرور، بهذا التظاهر الأميركي بالتعددية حتى أصبحوا يسارعون إلى التشدد في مواقفهم للاقتراب من الموقف الأميركي، وبات بعضهم يساعد الولايات المتحدة لتسهيل قبول روسيا والصين بمطالب أميركا من الأمم المتحدة. وتشهد الساحة الدولية هذه الأيام تسابقا على الفتات الأميركي، كل جهة تحاول أن تحصل على تنازل في موضوع أو قضية من الولايات المتحدة مقابل إدخال المطالب الأميركية المتعجرفة ضمن قرار مجلس الأمن لتسهيل رفض العراق له. وهذا ما تريده الإدارة الأميركية الحالية، لأن ذلك يقوي مركزها داخل الولايات المتحدة في مواجهة الديمقراطيين الذين يريدون تأجيل موضوع الحرب حتى لا يطغى في حملة الانتخابات الأميركية، وبالتالي يصرف الأنظار عن القضايا الأساسية التي تشكل الرأي العام الأميركي. ولا يجوز لنا كعرب أن نقلل من هذا الانقلاب لصالح الإدارة الأميركية. وأفضل أنواع المواجهة تلك التي تدرك موطن القوة لدى الخصم فتحيده. ويتجلى هذا في القدرة الأميركية على حشد الكثير من القوى الأساسية في العالم خلف شعار عودة المفتشين. وقد يقول قائل أن أميركا ستضرب بوجود التحالف وبغيابه. وقد يكون هذا صحيحا، لكن هناك فرق هائل بين وضع قوة عظمى تحظى بالتأييد الدولي لعدوانها، ووضعها وهي تخوض حربها شبه وحيدة ومصحوبة باللعنات. وفي الحالة الثانية، إذا لم تردعها وحدتها عن العدوان، فإن سخط العالم سيضعفه، وسيؤدي إلى فشله إن اقترن بالمقاومة المستمرة. فالاستراتيجية المثلى هي عزل الولايات المتحدة، وذلك بإظهارها قوة غاشمة ليس لها من الشرعية في حربها حتى ما يقارب حجم ورقة التوت. ـ الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية إلى واشنطن الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |