السبت 14 رجب 1423 هـ الموافق 21 سبتمبر 2002 الحوار بيننا وبين الرئيس الأميركي «جورج بوش» وصقور الصيد في «البنتاجون» حول ضرب العراق حوار ميئوس منه.. كالحوار مع حيتان هائجة.. وديناصورات باطشة.. وأسماك قرش غطت خياشيمها برائحة الدم.. والصدام بين غطرسة القوة هناك والرغبة في الاستشهاد هنا هو صدام حتمي كحتمية الصدام بين الريح والجدران.. بين الرصاصة واللحم.. بين العصفور والبندقية.. بين الأمواج والخلجان الصخرية. إن وزير الدفاع الأميركي «دونالد رامسفيلد».. أكثر الصقور حدة وتشددا يؤمن بعبارة مأثورة تقول: «بكلمة طيبة وبندقية تحصل على أكثر مما تحصل عليه بكلمة طيبة وحدها».. وعلى مكتبه الضخم في «البنتاجون» لوحة صفيحية من البرونز محفور عليها قول مأثور للرئيس الأميركي الأسبق «تيودور روزفلت»: «القتال بفاعلية من أجل الحق هو أكثر مهمة نبيلة يمكن أن يحترمها العالم».. إن مثل هذه العبارات الرومانسية.. الناعمة.. نوع من رش سكر البودرة على جثة العراق قبل التهامها.. نوع من إضفاء مبررات أخلاقية على حرب غير أخلاقية.. نوع من ترديد وترنيم آيات من الكتاب المقدس قبل إطلاق النار. وربما عكست هذه الفلسفة شخصية «رامسفيلد» نفسه وكشفت أغوارها.. فهو يحتفظ في حقيبة ملابسه بقصائد الشعر الرقيقة والكتب الصارمة التي تحث على الشجاعة وتمجد فضيلة الاندفاع.. إنه يبدو مثل الشخصيات المركبة في أفلام رعاة البقر (كاوبوي).. تلك الشخصيات التي تتحول بسرعة مذهلة من الوداعة الى الشراسة.. من القناعة الى الوقاحة.. من التباهي بقرنفلة الى إلقاء قنبلة.. إن النظارة الطبية التي يحرص عليها تمنحه هيئة الباحثين.. الأكاديميين.. لكنها.. تخفي تحتها شراسة المقاتلين.. المتعصبين تخفي تحتها هواياته المتهورة.. القفز من الطائرات النفاثة.. قيادة الدراجات النارية.. التزحلق على الأمواج بكامل ملابسه.. أما موهبته في حفظ والقاء النكات المرحة والدعابات الذكية فتخفي وراءها عنفا مستترا.. وعنادا جامحا.. وحالة من الاستعجال الواضحة لتحقيق ما يريد.. فقد كان عضوا في الكونجرس وعمره 30 عاما.. ورئيسا لهيئة موظفي البيت الأبيض وعمره 42 عاما.. ووزيرا للدفاع وعمره 43 عاما.. ليصبح أصغر وزير دفاع على الإطلاق.. كان ذلك في عام 1976 عندما تولى الرئيس «جيرالد فورد» السلطة على أنقاض فضيحة «ووترجيت» التي أطاحت بسلفه «ريتشارد نيكسون». في تلك الفترة كانت عقدة فيتنام قد تمكنت من المؤسسة العسكرية الأميركية وسيطرت على جنرالاتها حتى أجهزت تماما على كل المتشددين منهم وعلى رأسهم «رامسفيلد» الذي ترك الخدمة فور أن جاء الى السلطة الرئيس «جيمي كارتر» في عام 1976 وراح يعمل في شركة خاصة تصنع العقاقير وإن لم يفقد اهتمامه بقضايا الدفاع.. وما أن طلب منه «بوش» دخول حكومته حتى سارع بتقديم التحية العسكرية له فقد شعر أنها فرصته وفرصة جيله للتخلص من العقدة التي طاردته في فيتنام.. وفرض منذ اليوم الأول سياسته المتشددة.. ولم يقبل أن يكون مجرد وزير سياسي يوقع على خطط رئاسة الأركان دون استيعابها.. بل ساهم بشكل تفصيلي في خطة الحرب في أفغانستان وكان يراجعها خطوة.. خطوة مع الجنرال « تومي فرانكس» الذي قام بتنفيذها.. وهو ما سبب استياء لمخططي الحرب المحترفين في «البنتاجون».. فراحوا يحرجونه بتسريب سيناريوهات الحرب القادمة في العراق بقصد ايقافها أو بقصد احراجه.. فكان أن ثارت ثائرته وطلب من مكتب التحقيقات الفيدرالية التدخل لكشف مصادر التسريب.. وهو ما ضاعف من قوته وسطوته.. ونجح في أن يجعل الجنرالات هم سادة القرار السياسي في واشنطن.. تاركا حفلات «الكوكتيل» وبرامج الحياة الخاصة في التليفزيون للدبلوماسيين والسياسيين يمرحون فيها كما يشاءون.. ويشمئزون فيها منه كما يشاءون. ويبدو أن صراحته المباشرة وعناده الذي لا يلين واتجاهه ناحية الهدف بصورة مباشرة جعلته أكثر رجال الرئيس الأميركي موهبة في كسب الأعداء والاحتفاظ بهم.. بل أن وزير الخارجية الجنرال السابق «كولن باول» - الذي كان واحدا من أقرب الأصدقاء اليه أيام الخدمة في فيتنام وما بعدها - قد وجد نفسه معارضا لسياسته الدموية المحرجة.. وربما دفعت هذه السياسة «باول» للاستقالة.. وفي هذه الحالة سيجد البيت الأبيض نفسه غارقا حتى شعر رأسه في مستنقعات «رامسفيلد» الجديدة في العراق. لقد بدأ «رامسفيلد» في «الميل الى الأمام».. وسالميل الى الأمام» واحدة من أفضل العبارات المفضلة اليه على حد قول «نيوزويك» مؤخرا.. وهي عبارة قديمة تعود الى حقبة الحرب الباردة.. وتعني الاستعداد للهجوم والمجازفة.. وقد أبلغ «رامسفيلد» جنرالاته على مستوى الأسلحة المختلفة في الشهر الماضي: «أريد أن يعلم كل واحد منكم أننا أصبحنا ميالون الى الأمام».. وعلق أحد رجاله: «إنه يريد أن يخرج ليقاتل الأشرار».. وعلق آخر: «إنه يريد شريرا ثريا غارقا في نعيم النفط».. ولم يكن أحد في حاجة لمعرفة أن الرئيس العراقي صدام حسين هو المقصود. لكن.. «رامسفيلد» لا يريد لجنوده فقط «الميل الى الأمام» وإنما يريد ذلك للشعب الأميركي كله.. ولزعامته.. وصحافته.. ونوابه.. لقد تقدم الرئيس «بوش» للأمام في أفغانستان لكنه لا يزال مترددا ليأخذ الوضع نفسه بالنسبة للعراق.. فهناك خوف أن تسقط أميركا على وجهها وبطنها لو مالت أكثر للأمام في العراق.. فقد تقدر على تدمير ما تبقى من العراق.. قد تجهز على ما فيه.. قد تساويه بالأرض.. إنها قادرة على أن تفعل ما تشاء.. لكن.. ما هو الثمن الذي عليها أن تتحمله؟.. هل يرد العراق بقنابل الغاز والجراثيم؟.. هل يشتعل الغضب في الشرق الأوسط ضد كل ما هو أميركي وتتعرض مصالح واشنطن للخراب ويتعرض أصدقاؤها للضياع؟... هل تقدر الولايات المتحدة على تحمل جيل جديد من المتشددين الاسلاميين الذين لا طريق أمامهم ولا أمل سوى أن يتحولوا الى قنابل بشرية ناسفة وحارقة؟. وسيضاعف من حجم هذه الكارثة أنها المرة الأولى التي ستشارك اسرائيل في ضرب دولة عربية دون حرب مباشرة معها.. لقد كانت الولايات المتحدة تطالب اسرائيل في مثل هذه الحالات بضبط النفس مهما جرى لها.. إن ذلك قد حدث في حرب الخليج الثانية بعد الاحتلال العراقي للكويت رغم أن اسرائيل تعرضت للضرب بصواريخ «سكود» العراقية.. لم يكن مسموحا لاسرائيل أن تكون طرفا مباشرا في صراع بدا عربيا ـ عربيا حتى لا تربك الغزل وتعقد الخيوط وتورط أطرافا غائبة في الصراع أو تخرج أطرافا مهمة منه.. فالبلاد العربية التي شاركت الولايات المتحدة في هذه الحرب كانت ستشعر بالحرج السياسي أمام شعوبها.. ومن ثم كانت ستسارع بالانسحاب منها.. لكن ما يجري الآن يبدو مختلفا.. فغالبية الدول العربية ترفض ضرب العراق.. ولو اعلاميا.. وبعضها ينتظر قرار الأمم المتحدة.. وبعضها الآخر يساعد بطريقة غير مباشرة بتقديم تسهيلات وقواعد ومخازن للعتاد والذخيرة.. إنها مشاركة عن بعد.. على استحياء.. تحت ضغوط أميركية هائلة يصعب تجاوزها.. وفي ظل حالة الفوران المكتومة في الشارع العربي ستتقدم اسرائيل للمشاركة في ضرب العراق لتثبت أن قوتها العسكرية تتخطى حدودها.. ولا يهمها أحد في المنطقة مهما كان. إن دخول اسرائيل هذه الحرب هي نقطة تحول واضحة في الشرق الأوسط.. لن يكون دليلا على الضعف العربي.. فالضعف العربي ليس في حاجة الى دليل.. ولن يكون دليلا على غطرسة اسرائيل.. فغطرسة اسرائيل ليست في حاجة الى دليل.. لكنه سيكون دليلا على أن المنطقة قد دخلت عصر الهيمنة الاسرائيلية.. وأن اسرائيل ستلعب دور «البودي جارد» أو «البلطجي» للامبراطورية الأميركية.. تذهب معها الى أي مكان على ظهر الكوكب.. وتنفذ لها ما تشاء.. وستكون الحجة الأميركية أنها في حاجة الى شريك اقليمي يسهل لها ضرب العراق.. وما دام العرب لا يجدون مبررا للضرب فليفسحوا الطريق امام اسرائيل لتدخل وتشارك.. أما الحجة الاسرائيلية فهي متنوعة: الثأر القديم من العراق الذي ضربها بالصواريخ قبل نحو 11 سنة.. إدعاء أن العراق يشكل خطرا عليها.. ثم أنها تملك سجلا يتفجر نجاحا في ضرب محاولاته لامتلاك أسلحة الدمار الشامل. صباح يوم الأحد 7 يونيو 1981 استدعى «مناحم بيجن» رئيس وزراء اسرائيل الأسبق وزراء حكومته ليلقاهم في بيته في الساعة الخامسة من بعد الظهر.. وفور وصولهم سحب رجال الشرطة سياراتهم حتى لا ينكشف وجودهم.. وبعد ربع ساعة دخل عليهم «بيجن» وهو يرتدي قميصا نصف كم ويضع على رأسه طاقية المتدينين.. وفي لهجة رسمية جادة قال لهم: «أيها السادة إن ستاً من طائراتنا الحربية في طريقها الآن الى هدفها في العراق.. ستضرب المفاعل النووي الذي أقامته فرنسا على بعد عشرة أميال ونصف الميل جنوب شرق بغداد». اشتركت في العملية 8 طائرات (فالكون - ف16) مقاتلة وقاذفة في بطن كل منها 900 كيلو جرام قنابل ثقيلة موجهة بأشعة الليزر.. تغطيها 8 طائرات أخرى (إيجل - ف15) مزودة بصواريخ جو - جو طراز «سبارو» وسسايدوندر» وبها خزانات وقود اضافية وأجهزة تشويش اليكترونية.. وقد عبرت الطائرات خليج العقبة على علو منخفض.. وبعد 1200 ميل قطعتها الطائرات بسرعة 600 عقدة وصلت الى الهدف في الساعة السادسة و25 دقيقة بالتوقيت المحلي.. الخامسة و39 دقيقة بتوقيت اسرائيل.. في ذلك التوقيت بالضبط ارتفعت مجموعة القاذفات لتفرغ ما في أحشائها من قنابل فوق قبة المفاعل النووي الضخمة التي تقع في ضاحية «التوثية» القريبة من بغداد والتي تحوطها تلال صغيرة وأشجار نخيل مثمرة.. واستغرقت العملية 3 دقائق انسحبت بعدها الطائرات بزاوية تجعلها تتلافى صواريخ سام السوفييتية.. وتريثت الطائرات قليلا لتلتقط صور جوية للذكرى.. وللعبرة.. وقد أصدرت اسرائيل بيانا أكدت فيه نجاح التدمير بلا خسائر بشرية من الجانبين.. الاسرائيلي والعراقي.. فقد كان يوم تنفيذ العملية هو يوم أجازة الخبراء الأجانب وعددهم مائة خبير. قبل هذه العملية بنحو العام.. بالتحديد بين الساعة السادسة والنصف والسابعة والربع من مساء يوم الخميس 13 يونيو عام 1980 قتل عالم الذرة المصري الدكتور «يحيى المشد» على يد عملاء الموساد في غرفته (الغرفة رقم 9041) بفندق ميريديان (بوليفار) باريس بعد أن تعاقد على اليورانيوم المشع الذي سيستخدم لتشغيل المفاعل العراقي.. حاولوا إغرائه بالمال لكنهم فشلوا.. حاولوا اغرائه بالجنس لكنهم فشلوا.. فلم يبق أمامهم سوى تصفيته جسديا.. ضربوه على رأسه بآلة حادة وترك وحيدا في غرفته بعد أن وضعوا على بابها من الخارج لافتة «رجاء عدم الازعاج».. وكان قتله أول خطوة في الطريق الطويل لتخريب البرنامج النووي العراقي الذي انتهى بتدمير المفاعل. كانت هناك خطوة أخرى سابقة لتدمير المفاعل في مساء يوم الجمعة 4 ابريل عام 1979. في ذلك الوقت هبط مطار «طولون» في فرنسا ثلاثة من رجال المخابرات الاسرائيلية يحملون جوازات فرنسية مزورة.. كانت مهمتهم تدمير المفاعلين العراقيين اللذين اشتراهما العراق من فرنسا باتفاق خاص بين «صدام حسين» والرئيس الفرنسي «فاليري جيسكار ديستان».. كان المفاعلان يسميان «إيزيس» و«أوزوريس».. وكان مقرر شحنهما ليلة 9 ابريل في ذلك العام من ميناء «مرسيليا» الى ميناء «البصرة».. وفي صباح يوم الأحد 6 ابريل.. بالتحديد في الساعة الثالثة صباحا وضع عملاء الموساد شحنات من المتفجرات في الصناديق التي تحمل المفاعلين.. وبعد 5 دقائق دوي الانفجار ليحترق 60 بالمائة من المفاعلين بخسائر تزيد على 13 مليون دولار.. أما الخسارة الأكبر فكانت تعطيل البرنامج النووي العراقي. ولم يتوقف الاسرائيليون عن مطاردة البرنامج النووي العراقي الذي أصبح لعنة تصيب كل من يقترب منه أو يتعامل معه.. فبعد مقتل الدكتور «يحيى المشد» بنحو شهرين.. بالتحديد في 7 أغسطس عام 1980 وضعت عبوة ناسفة في فيلا تقع على طريق «روما» السريع يسكنها المهندس «ماريو فيوريلي».. مدير شركة «ستيا تكنيت».. الشركة التي وردت للعراق المختبرات الحارة التي تفصل البلوتنيوم عن اليورانيوم الطبيعي.. ومن حسن الحظ كان صاحب الفيلا يسهر بعيدا في وسط العاصمة الايطالية.. لكن الخسائر لم تكن في بيت الرجل فقط وإنما في شركته أيضا.. ففي تلك الليلة انفجرت عبوتان ناسفتان في مكاتب الشركة ودمرتها عن آخرها. في تلك الليلة كذلك كان مقررا وضع قنبلة اشد في شركة ايطالية أخرى تعمل في تصنيع المعدات النووية تتعامل مع العراق هي شركة «أتسالدو ميكانيو نيكولار».. لكن حارس الشركة أطلق الرصاص على الجاني قبل أن يدس عبواته الناسفة. وفي فرنسا بدأت اسرائيل في تصفية كل الخبراء الذين يرتبطون بالبرنامج العراقي مثل «جان جاك جراف» المسئول في هيئة الطاقة النووية الفرنسية.. والبروفيسور «سيلفد كاو» رئيس قسم الوقود في الهيئة.. وحذرت اسرائيل كل من يعمل في البرنامج العراقي بأنه سيموت هو وأسرته.. ونجحت اسرائيل في تحقيق ما تريد.. وأصبحت خبيرة في التعامل مع كل برامج الأسلحة العراقية.. وهي الخبرة التي تقدمت بها على طبق من كريستال الى البنتاجون ليشركها في الحرب ضد العراق.. لتكون مهمتها المحددة تصفية كل ما يقال عن أسلحة الدمار الشامل العراقي.. وأغلب الظن أن البنتاجون متحمس لهذا الدور الاسرائيلي.. فقد راح يخزن العتاد والأسلحة بكميات هائلة في اسرائيل دون أي حسابات سياسية أو اقليمية يضعها في الحسبان.. فعندما نكون نحن الضحية فلا فرق أن تكون الضربة من صديق أو عدو.. من قريب أو بعيد. ـ كاتب مصري الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |