السبت 14 رجب 1423 هـ الموافق 21 سبتمبر 2002 يقودنا الحديث الذي بدأناه قبل يومين حول الضعف في ادوار شريحة من المشتغلين بالقضايا التوعوية والتثقيفية الى الاتجاه الى زاوية اخرى تختص بطبيعة الفهم الذي تكون لدى قطاع واسع من المستمعين حول دور تلك التوجيهات في حياتهم اليومية. اذ بدا لهم امام قصور المتحدثين والخطباء ان تلك التوجيهات التي يسمعونها عسيرة على التطبيق، وصعبة التحقيق، والسبب يرجع الى ما بيناه فيما سبق من وجود خلل في اداء بعض الرموز التي تصدت للعمل الجماهيري التوعوي دون ان تمتلك ادوات النجاح في ذلك الدور!! وكانت النتيجة المباشرة لذلك الخلل الوظيفي هي انسياق قطاع واسع من الناس نحو تحييد تلك المعلومات التي تم تحصيلها في اماكن العبادة او في المنتديات الثقافية، عن السلوك والافعال!! مما ادى الى وجود خلل في السلوك العام نتيجة الفصل بين المعرفة وبين التطبيق!! وبناء على هذا الفهم القاصر اصبحت المعلومة الثقافية تطلب لتخزن في الذاكرة، او يعاد ارسالها عن طريق النقل والمشافهة، او توظف للاجابة عن اسئلة اختبار للمعلومات الدينية، مما افضى الى نوع من التسطيح، والشلل الذهني عن فهم المعاني العميقة لدور المعلومات والافكار المعروضة فوق المنابر والمنصات الخطابية في ترشيد سلوك الناس ناهيك عن تهذيب مشاعرهم والارتقاء بنظرتهم الى ادوارهم في الحياة. والعجز عن استيعاب الدور الوظيفي للمعلومة المستقاة من الوسط التعليمي خلق حالة من «الاغتراب النفسي» في الدرجات الاسوأ أو «الاغتراب السلوكي» في الدرجات الاقل سوءاً بين مضامين التوجيهات الاخلاقية والقيم الايمانية وبين الافراد الذين عاشوا مرحلة سوء الفهم وعانوا من التشويش على مولدات التفكير لديهم. ومما زاد الطين بلة ان هذا الفهم القاصر ادى الى ان المعلومات التي تأتي من هنا وهناك يمكن استثمارها في برامج المسابقات الثقافية، والدخول بها كرصيد قادر على ايصال صاحبه للفوز وحصول الجائزة. ولذلك اصبح الفرد منا يرى زميله في العمل أو جاره في الحي يسارع الى شراء الموسوعات التي تتحدث عن اشهر علماء السلف، واشهر مصنفاتهم، واشهر الاكتشافات في الحضارة الاسلامية، واسماء ابرز القادة السياسيين والعسكريين، والسبب هو حفظ تلك الاسماء والدخول بها الى عالم المسابقات الذي اصبح له زبائن يتكاثرون يوما بعد يوم من اجل الربح السريع والحصول على الثروة او على جزء منها. ان استخدام المعرفة لجلب شيء من النفع المادي السريع، دون ان تتوفر مساحة قبول واهتمام لدى الفرد في الاستفادة القصوى من المعرفة التي تهيأت له في تحسين حياته، واضفاء قدر من التوازن على سلوكه وتصرفاته يعني ان الانسان اصبح مفرغاً من الداخل، ومحروماً من مصادر التأثير الحقيقية على شخصيته التي لن يكون لها شأن بين الناس بدون وجود خلفية قيمية وروحية تدعم من سلوك هذا الفرد وتشحنه بالافكار الايجابية التي تنظم علاقته بمن حوله من الناس. ولو عدنا الى سؤال اهل الاختصاص عن وظيفة المعرفة في حياة الناس فقطعا لن يجيب عاقل من شرق الارض أو من غربها بأن وظيفة المعرفة ان تؤهل الناس للمشاركة في المسابقات العامة!! كما انها بطبيعة الحال لا يقتصر دورها النهائي في ايصال الفرد الى المستويات العليا من الدراسة. ان مهمة التعليم شيء اكبر من ذلك، وهي صناعة الانسان، وتدعيم نزعة الخير في نفسه، وتعريفه بالطريق الامثل ليجتاز به العقبات والصعاب التي تريد ان تعيقه عن الاستمرار في اداء مهماته المتعددة. وان رسالة التعلم الكبرى هي انجاح حياة الفرد بكل تفاصيلها وابعادها وهي مهمة يحتاج بيانها الى كثير من الجهود الواعية القادرة على ان تتفوق على احباط الواقع، والتحرك في الاتجاه الصحيح. m-alnaymi@maktoob.com الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |