السبت 14 رجب 1423 هـ الموافق 21 سبتمبر 2002 .. الود «بليه» هو مصطلح مصري يطلق أساساً على صبي ورشة الحدادة أو تصليح السيارات وغيرها، وهو غالباً ما يكون مراهقاً صغيراً فشل في حياته الدراسية فقرر هو أو قرر له أهله دفعه الى ميدان العمل حتى يتقن «صنعة» يقتات منها.. و«بليه» هذا يعمل مساعداً للمعلم بمعنى يناوله العدة أثناء العمل، وفي كثير من الاحيان يُضرب بنفس العدّة في حالة الخطأ أو النسيان.. وبعد فترة من الزمن انتشر مفهوم «بليه» من ورشة الحدادة الى جميع المهن الأخرى فأصبح بليه موجوداً لدى الخياط أو المكوجي ثم اصبح ايضاً في المقاهي أو «قهوجي» يقدم الشاي ويدور بين الطاولات حاملاً النار «يولّع» بها احجار الشيشة التي توشك على الانطفاء.. .. وما دمنا وصلنا الى الشيشة فلا مانع من الحديث عن أصولها التاريخية حيث يوجد انقسام حول بلد اكتشاف الشيشة فالبعض من خبراء «المعسل» يرون وهو الرأي الأقرب الى الصحة ان الاتراك هم أول من اكتشفها وجاءوا بها الى مصر أيام المدّ العثماني، ويدللون على ذلك بأشياء كثيرة اهمها كلمة «قهوجي» التي تعود الى الاصل التركي حالها حال جميع الكلمات التي تنتهي بالحرفين «جي» مثل مكوجي أو تاكساجي أو حتى بنشرجي!! .. ولكن الشيشة نمت وترعرت وازدهرت في مصر منذ عشرات السنين ومنها انتشرت في مختلف الدول العربية، لتصلنا أخيراً في السنوات القليلة الماضية، وتزدهر بشكل كبير، واصبحت وسيلة جذب للصغير والكبير، والفراش والمدير!! أما الترتيب الهرمي أو على رأي اهل الادارة الهيكل التنظيمي لمقاهي الشيش مع توصيف وتصنيف الوظائف فيها فيبدأ من «المعلّم» وهو رقم واحد في المقهى وغالباً ما يكون مالكها، وهو في كثير من الاحيان رجل، إلا في حالات قليلة يمكن ان تكون هناك «معلّمة»، مهمة المعلم هي الجلوس خلف الطاولة ومحاسبة الزبائن، والاشراف العام على كل ارجاء المقهى، يليه في السلم الوظيفي مساعد المعلم وهو المنسق العام وحلقة الوصل بين الزبائن والعمال داخل المطبخ، وهو الشهير بـ «وعندك واحد شاي على ميّ بيضه للطاولة رقم 5، وصالا حووووه»!! .. ثم يأتي القهوجي وهو عامل الطلبات الذي يتلقى الأوامر من المنسق العام لينفذها فوراً ويوزعها على الطاولات وفي آخر الهرم يأتي ماسك النار، وغالباً ما يكون الولد «بليه» وهو الذي يقدم الشيشة ويقوم بتغيير «الحجر» او اعادة اشعال النار المشارفة على الانطفاء. .. ومن الملاحظ ان هذه الوظائف العامة في المقاهي المصرية التي ظهرت الى الوجود كما ذكرنا قبل عشرات السنين كانت حكراً على الرجال فلم تدخل المرأة ابدا في هذا الهرم الوظيفي كما يشهد بذلك أهل الخبرة والحنكة في تاريخ وأصول المقاهي إلا في حالات محدودة وكانت حكراً على وظيفة «المعلّمة» وهي غالباً ما تؤدي هذا الدور لفترة مؤقتة هي الفترة التي يقضيها زوجها «المعلّم» في السجن غالباً إثر القاء القبض عليه في قضية مخدرات!! .. فيما عدا ذلك فلم يكن للمرأة دور ولم تدخل في أي وظيفة في السلم الوظيفي المذكور.. ولكن هذا لا يعني أبداً الحفاظ على الموروث التاريخي والعادات الاجتماعية الخاصة بالشيشة، فهناك دائماً فئة المجددين والمطورين في كل شيء حتى المقاهي، وبما أننا لا نملك تاريخاً عريقاً في الشيشة فلقد اكتفينا بتطويرها حتى تكون اجمل وأعرق من بلد المنشأ!! واشتمل هذا التطوير على كل شيء ابتداء من انواع الحجر المستخدم الى استبدال الولد «بليه» بفتيات جميلات يقدمن الشيشة وينفخن فيها للزبائن!! هذه الظاهرة الجديدة انتشرت مؤخراً في عدد من المقاهي حيث يتعمد بعض الملاك فعل كل ما من شأنه جذب اكبر عدد من الشباب و«المدمنين» على هذه الجلسات، واستخدموا كل الوسائل القانونية وغير القانونية، للفوز بأكبر حصة زبائن في عالم المقاهي المنتشرة بشكل يفوق بكثير العيادات والمستشفيات أو المكتبات أو الحدائق وأماكن اللهو البريئة وتتساوى مع المطاعم ومحلات البقالة والسوبر ماركت ان لم تتفوق عليها. .. إدخال الفتيات في المقاهي يأتي بغرض ظاهري هو خدمة الزبائن وغرض باطني واضح هو إغراء الزبائن وزيادة ساعات جلوسهم لشفط ونفخ المعسل بأنواعه المختلفة. اما الادهى فهو الاستخدام الرخيص والسييء للمرأة «العربية» في هذا المجال المشبوه، فلم تعد الصنعة خاصة ببعض الجنسيات الآسيوية او شبه الاسيوية بل هناك من يتعمد استخدام الجنسيات «العربية» كوسيلة جذب جديدة، والنتيجة زيادة وجع الرأس والصدعة لضباط مراكز الشرطة الذين يواجهون الآن صداعاً يومياً يستدعي صرف بدل شهري لبندول «اكسترا» جراء شكاوى العاملات في المقاهي من تحرش مالك المقهى أو زبائنه بهن اثناء تأدية العمل، أو العكس شكاوى صاحب المقهى من سلوكيات مشبوهة للعاملة مع عدد من الزبائن!! .. ألا يكفي ايصال نار الشيشة لصدور الناس حتى يتعمد البعض وضع النار الاخرى بجانب الحطب مباشرة حتى يزيد المجتمع اشتعالاً، وتشب الحرائق، وتحترق البيوت!! .. الى متى سنظل نعاني من فوضى التنظيم، وقلة الرقابة، وكثرة التجاوزات، وزيادة البدع، وكثرة الناخرين في أوصال المجتمع فساداً دون حسيب أو رقيب؟!! reyami@albayan.co.ae الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |