السبت 14 رجب 1423 هـ الموافق 21 سبتمبر 2002 تمثل ثقافة الطريق رصيداً اجتماعياً لكل من يقود سيارة، فهو يفهم في الاشارات ويقرأ العلامات ويجيد استخدام المكابح ويعرف مواقع المفاتيح وبصره سليم ويستحق رخصة قيادة مركبة لينضم الى ملايين السائقين الذين نراهم على الطرقات وقد حولوها الى حبال لا تنقطع وانهار لا تتوقف. لكن لماذا نقول ان ثقافة الطريق تشكل رصيداً اجتماعياً؟ لأن السائق كامل الأهلية حصيف السلوك راجح العقل ولو كان غير ذلك لأصبح أرعن. والرعونة في قيادة السيارة تستلزم الحذر وخاصة على الطرقات المزدحمة، ولعل أول درس يلقنه المدرب للسائق المتمرن هو كيف تتفادى أخطاء الآخرين. وعند أخطاء الاخرين حطنا الجمال، حيث على يسارك بي. إم تريد القفز فوق تويوتا أمامها، وخلفك مرسيدس طفح بها الكيل فتلهب ظهرك بالأضواء الكاشفة، ومن بعيد تلمح كروزر قادمة، كالصاروخ، فتارة تمشي على الرمل واخرى على الاسفلت وكل ذلك لا يمنع سيارة اجرة من التوقف فجأة لالتقاط شخص يسير على جانب الطريق، فان لم يصعد عاجله سائق الأجرة ببوق طويل ترتعد له الفرائص. لكن قائد الدراجة النارية لا يأبه لأنه يريد ايصال البيتزا ساخنة الى العنوان البعيد، كما ان البيك اب اضاع الطريق الى سوق الحمرية فأخذ يلطش شمالاً ويميناً دون جدوى لأن لا منفذ إلى الحمرية في هذا الازدحام، بينما توجد في الوسط سيارة «نص عمر» ارتفعت حرارتها ولابد من اسعاف سريع والا دلقت احشاءها على الطريق. سيكون المشهد أبلغ تعبيراً لو أن سائقاً جديداً خبط سيارة أمامه، وسيبلغ المشهد ذروته لو ان امرأة كانت طرفاً في الخبطة وهذا يعني «شرطة وضبط وتأخير سير وزمامير» ولا بأس ببعض الشتائم المألوفة لاضفاء بعض الواقعية على المشهد. ثقافة الطريق ليست هي الأساس في قيادة السيارات لأن عملية الفرز يمكن ان تقود الى نوعية السائق وخلفيته الجغرافية، فالشاميون يحبون الـ «بي. ام. دبليو» لأنها تجعر على الطريق وتذكرهم بالأوطان حيث السيارة لها صوت مميز كلما كان عالياً يعني أنها جيدة ويمكن مع بعض الاضافات تحويلها الى قذيفة مدفعية، يرافقها صفير وشوية طقطقة فيرتفع ثمنها لو أن ميكانيكياً أرمنياً وضع يده فيها فحوّلها الى سيارة شموسية «نسبة الى الفرس الشموس ـ العنيدة». في حين يميل السودانيون الى المرسيدس حتى ولو كانت من السبعينيات لأن المرسيدس عربية نظيفة وما تتقدر بثمن فيحتفظون بها طويلا ويورثونها لأولادهم بعد عمر طويل ولا فال. لكن المصريين قنوعون وعلاقتهم بالسيارة تعكس طبيعتهم الاجتماعية الميالة الى الرضا بالمقسوم لذلك «أهي عربية وخلاص» بينما الاسيويون اكثر اخلاصا لقارتهم الكبيرة فيشجعون السيارة اليابانية ويفضلونها على سيارات اخرى وفلسفتهم في ذلك ان قطع الغيار رخيصة وتجدها حتى في السوبر ماركت. الا ان الأوروبيين يذوبون في السيارات المكشوفة الرياضية ذات الألوان الفاقعة ولعل لذلك علاقة بطبيعة حياتهم الاجتماعية حيث شورت وفانلة وشحاطة وهوب هوب صوب البحر. وهذا التصنيف أساسه بصري مشهدي وليس عبر دراسة ديموغرافية عما يحب ويكره ابناء الجاليات الذين يعيشون في الخليج، لكن واقع حركة السيارات في السوق تعكس هذه الذهنية في امتلاك السيارات ويستطيع أي بائع أو سمسار سيارات ان يقدم حقائق أكيدة تدعم هذا التصنيف الذي يحيلنا إلى عملية الفرز بحيث يمكن أن تحدد جنسية الشخص من خلال نوعية السيارة التي يستعملها، واذا ظهرت استثناءات في هذا الصدد فلأن العولمة بدأت تخلط أوراق الهويات الثقافية وتصهرها في بوتقة واحدة حيث بدأت اليابان تُغرق السوق المحلية بالمرسيدس المستعملة وكذا هو الحال بالنسبة للتويوتا القادمة من أوروبا.. مجرد أمثلة فقط. هل يمكن من كل ذلك الفرز ان نحدد رعونة السائق. قطعا لا، لأن الرعونة نتاج شخصي وليس جماعياً، والسائق الذي يلهب الطرقات ويشوط فيها أهدافاً تسللية لا ينتمي الى جغرافية محددة، واغلب الظن انه يقلد افلام الأكشن وباعتبار ان افلام الأكشن مصدرها من أميركا فهذا يعني منطقياً انها استيراد من بلاد العم سام وبيت القصيد من كل هذه المعلقة ان فلسفة القوة والاستعراض جاءت من خلف تلك البحار البعيدة، وذكريات الطريق تجر ذكريات السرعة وأغانيها وابرزها «يا شوفير دوس.. دوس.. الله يبعتلك عروس شقرا بيضا.. من طرطوس». وطرطوس مدينة جميلة على الساحل السوري مشهورة بشقراواتها.. لكن الآن الشقراوات في كل مكان ولا يحتاج الأمر إلا دعسة بنزين.. بس دعسة. Email:h-s-d@maktoob.com الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |