الجمعة 13 رجب 1423 هـ الموافق 20 سبتمبر 2002 يحتاج اعلامنا في حالات الى جلد الذات بدل ان يفرض عليه ذلك، عله يستشعر واقعه ويعلم ان كان يسير كما ينبغي او انه ضيع خطه وغاياته ومشى في طريق لن يلتقي فيه بمزيد من الجمهور الذي يحلم به ولن يتمكن من المحافظة على اولئك الذين احتفظ بهم طوال رحلته الماضية. اعلامنا تحول وحقق افضل سبل التقنية، لقد استطاع ان يواكب تطور الاعلام في شقه التكنولوجي، لكنه تبدل نحو الاسوأ في جانبه الاخر وهو هوّيته، وهو الشق الأهم في هذه الصنعة. فصناعة الاعلام في مختلف انحاء العالم، بدءاً من عالم اميركا التي هي اقوى واشهر صانعة ومصدرة ومبتكرة في ثورة وعلم الاعلام، وصولا الى اصغر وافقر واجهل دولة في العالم الثالث، جميعهم يحفظون الدرس الاهم في الاعلام، ويصرّون على التشبث به حاضرا ومتطورا باستمرار وثابتا في وسائلهم، انه قاعدة الخبر المحلي. ضرورة ان يكون الحدث المحلي موجودا وبارزا وان يكون هو الاهم، ولا يكون هذا التواجد في حالات او مناسبات او بالصدفة، انما ان يكون كذلك كل يوم مادامت وسيلة الاعلام هذه تصدر وتنتج كل يوم. والقاعدة الذهبية هنا هي ان جمهورك الاوسع هو جمهور محلي، يقبل عليك باحثا عن همومه وشئونه وقضاياه، فالذي سيسمع الاذاعات او يشاهد القنوات التي تحمل اسم الامارات او الصحف الصادرة منها، هو ابن هذه الدولة والمقيم عليها، هذا هو المعنى الاول الذي يمثل اكبر شريحة لهذا الاعلام، فكلما قدمت له ما يبحث عنه فانه يقبل عليك وكلما تساهلت في ذلك وابتعدت عن معالجة بيئته ورغباته وخصوصياته، سيهملك وسيبحث عن بديل، ان اقبال الجمهور على الاعلام مثلما هو مع اي شأن آخر، اذا اهتم هذا الشأن وعالج احتياجه ووجد انه يشبعه ويحقق له متطلباته اقبل عليه واصبح جزءا منه، وغير ذلك لن يجد له مكاناً عنده. اليوم اين هو الشأن المحلي في خريطة برامج اعلامنا بكل وسائله: تلفزيونيا واذاعيا وصحفيا؟ هل هو موجود؟ هل له الاولوية؟ ما هو مضمونه؟ وما هو كمه ونوعيته في شكل وحجم برامج الوسيلة الاعلامية؟ في دراسة خاصة اشتغلت فيها على الصحف الصادرة بدول مجلس التعاون بحثا عن اوجه التشابه والاختلاف بينها، توصلت الى نتيجة تفند المقولات التي سمعناها ونكررها باستمرار منذ سنوات وهي ان صحف الامارات هي افضل الصحف الخليجية، ان ذلك في الجانب الكمي فصحافتنا تفوقت على جميع الصحف الخليجية من حيث عدد الصفحات وتقنية الالوان، فانها لا شك اثقل واكثر صفحات ملونة من بقية الصحف، اما من حيث هويتها ومعالجتها للشأن المحلي فان الواقع غير ذلك، فصحفنا في مرتبة متواضعة فيما يخص معالجات الصحف الخليجية لقضاياها واخبارها وعدد الكتاب المنتمين لهذه الدولة وفي مختلف الصفحات والتخصصات. ولو كانت هناك دراسات مقارنة بين اذاعات وقنوات الدولة الفضائية ومثيلاتها في الخليج او على مستوى الوطن العربي او الدولي، فان النتيجة لن تكون في صالح محطاتنا وقنواتنا، انها من خلال المتابعة المتقطعة اسوأ من الصحافة المكتوبة فيما يخص تناول الشأن المحلي والتعامل معه. والشأن المحلي الذي نعنيه والذي يحتاجه اعلامنا كمرتكز اساسي يبني عليه خططه وبرامجه، هو ذلك الذي يشغل القاريء ويبحث عنه، اما غير ذلك فعندنا عشرات الصفحات التي تصدر كل يوم والتي تحمل اسم المحليات، لكن اغلبها في الواقع لا يعني سوى النشاط الرسمي واخبار العلاقات العامة في مؤسسات الدولة المختلفة التي صدرتها للاعلام والتي تبرز نشاطها وتمتدح فيه اعمالها. ويلاحظ ان الصفحة الاولى التي هي الواجهة والاهم يكاد ينعدم فيها الخبر المحلي معظم الايام، واذا تواجد فانه يمثل نسبة متدنية في كم وحجم بقية اخبار الاولى، وعادة ما يكون خبرا رسميا. ايضا ما يلفت الانتباه في مختلف الصحف الخليجية الاخرى هو الوجود المكثف للكاتب الوطني وفي مختلف الموضوعات والصفحات المتخصصة نسبة لا تقل عن نصف كتاب العدد الواحد ينتمون الى البلد الصادر منه الصحيفة ان لم يكن جميعهم كما هو في اكثر من جريدة خليجية، ان هذا من الادوار المهمة التي يفترض ان يقوم بها الاعلام في دعم وتشجيع وتنمية قاعدة اعلامية وفكرية، واعطاء الفرصة للاقلام والكفاءات العلمية والادبية ان تثري الساحة وان تخدم وتبني وطنها. ان الاعلام في نظرياته ومفاهيمه لا يقتصر دوره على ان يكون مجرد وسيط ناقل. ان رسالته اعظم من ذلك، انه صانع وهذا هو التميز، وهذه هي روح التطور والنجاح، وهو ايضا موجه ومؤثر وقائد، فلا يمكن ان تكون كل رسالتك هي الالتقاط واعادة البث وتحلم ان تكون رائدا ومتميزا .. وقائدا! الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |