الجمعة 13 رجب 1423 هـ الموافق 20 سبتمبر 2002 تحدثنا البارحة عن حالة الهروب من مواجهة النص وتحليله ونقده التي احترفها بعض المشتغلين بالثقافة وآثروا ان يتحولوا الى مراجع تحفظ النصوص من هنا وهناك ثم تقوم باعادة عرضها على الناس دون ان ينجزوا مهماتهم العلمية الاخرى التي تتصل بالموازنة والترجيح وتنقيح النصوص، والادلاء بالرأي، مما فرع جهودهم العلمية من كثير من مقومات العمل الثقافي الواعد القادر على الاجابة عن اسئلة العصر وعلى مواجهة تحدياته!! ومن الجهود العلمية التي تفرض نفسها على ساحة البحث تلك الانشطة المرتبطة بتقديم قضايا الفكر والاعتقاد ومسائل التربية وفق المنظور الاسلامي كنوع من محاولة سد الفجوة المعرفية بين الجمهور وبين الرؤية الاسلامية لتلك القضايا فائقة الاهمية!! وقد كان حريا بالمتصدين لمناقشة تلك القضايا من منظور اسلامي ان تتوفر لديهم كافة مقومات انجاح ذلك الدور الذي اختاروه لانفسهم وآثروا ان يشتغلوا به ليس كهواية تمارس حينا وتترك حينا آخر وانما كحرفة رأوها جديرة بالانضمام اليها والانتساب الى فئاتها العاملة!! وقد كان حريا باعضاء تلك المدرسة التوعوية والتثقيفية ان يتبنوا جميعا مفهوم الجودة الشاملة في مهمتهم تلك وألا يرضوا بالاداء الروتيني والتقليدي في مهمة استثنائية تبنى عليها علاقة امة بأكملها بتراثها الفكري والتربوي، ويقاس على اثرها ومردودها حجم التغيير الذي سوف يطرأ على الافكار والتصورات ثم على السلوك والافعال. وموضوع تحقيق الجودة الشاملة في هذا النوع من النشاط المعرفي يتطلب عناصر مهمة تستطيع ان ترفع مستوى اداء هذه الفئة الى درجات متقدمة من النجاح، ومنها القدرة على التحليل واستخلاص النتائج والربط بين الواقع وبين النص، وتخليص النص من الشروح والحواشي التي ليس لها اي تأثير علمي ملحوظ، الى جانب تطبيق مهارات الالقاء والتقديم ناهيك عن تمتع المتحدث بصفات شخصية تؤهله لان يحظى باحترام الناس وثقتهم به وبصدق توجهاته. انها معادلة متكاملة الاجزاء والخلل في جزء منها يؤدي الى الضعف في توصيل الرسالة التثقيفية الى الجمهور. ان الارتقاء بالادوات والوسائل المنهجية والحوارية هو واسطة المتحدث الى قلب الجمهور، كما انه يؤكد احترام المحاضر والخطيب لمهنته ولعقل مستمعيه، الذين لديهم من الذكاء ما يكفي ليصدروا حكمهم على جودة النصوص التي تلقى على مسامعهم وعلى مدى كفاءة اصحابها في توصيل الرسالة التعليمية والتربوية الى الناس. ناهيك عن مدى تقبلهم واختيارهم للمواصلة والمتابعة لتلك الخطب المنبرية، او المحاضرات التثقيفية. ومع وجود الخبرة التراكمية لدى شريحة واسعة من المستمعين فان مستوى القدرة على انتقاء الشخصيات التي سيصرفون اليها آذانهم سوف تنمو مع الزمن في اتجاه تحسين اختياراتهم لتلك الشخصيات، وهو ما يضع كل ناقل للمعرفة الاسلامية، او الثقافة التربوية وجها لوجه امام التحدي الابرز وهو الاجابة عن هذا السؤال: هل يراهم الجمهور مؤهلين بالشكل الكافي لتصدر المنابر والمنصات الخطابية؟ وهل يعتقد فيهم القدرة على اثارة القضايا التي تشغلهم والتصدي لتحليلها ومناقشتها وتقديم اقتراحات منطقية بشأن تجاوزها والوصول بها الى حلول ممكنة؟ ان اجابة كل ناقل للمعرفة وكل صاحب منبر خطابي وكل متصد للعمل التوعوي والتوجيهي عن هذا السؤال هي البداية الحقيقية لاصلاح العلاقة ما بين الناس والثقافة. الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |