الجمعة 13 رجب 1423 هـ الموافق 20 سبتمبر 2002 بضربة واحدة انتزعت بغداد القناع من على وجه جورج بوش وأحدثت انشقاقا في مجلس الامن الدولي وفضحت نفاق الدول العربية. حتى ليلة الاثنين ـ الثلاثاء كان هناك اجماع دولي قد تمحور حول اصدار قرار حاسم وحازم من مجلس الامن الدولي موجه بلهجة انذار الى بغداد ويتضمن مهلة زمنية قصيرة من اسبوعين الى ثلاثة، فاما ان يقبل العراق قبل انقضاء هذه المهلة بعودة المفتشين الدوليين واما انه يعرض نفسه لاجراء عقابي ما. وبدا المشهد وكأنه بلغ ذروة درامية. ورغم ان الدول الخمس الكبرى دائمة العضوية في مجلس الامن لم تكن قد توصلت الى صيغة اجماعية للقرار المطلوب الا ان الرئيس بوش مضى في تهديده للعراق وبغير قليل من التفكير الرغبوي سمح بوش لنفسه بتفسير الاجماع الدولي المبدئي بان القوى الدولية الاخرى لم تعد تمانع في توجيه ضربة عسكرية اميركية ضد العراق بغطاء دولي. وعلى صعيد آخر تظاهرت الدول العربية بمظهر الناصح الامين للعراق لكنها في حقيقة الامر كانت تتهيأ سياسيا لتأييد الضربة الاميركية كانت الدول العربية تنطلق من قناعتين: اولا ان الضربة ستكون مغلفة بقرار دولي مما يوفر لها ذريعة «شرعية» لتأييدها وثانيا: ان العراق سيرفض حتما قرارا دوليا يلزمه باستقبال فرق التفتيش مما يوفر للدول العربية ذريعة اضافية لتأييد الضربة. وهكذا جاء قرار بغداد بقبول عودة المفتشين دون قيد او شرط كمفاجأة نسفت معطيات المشهد القائم وخلقت مشهدا دوليا جديدا نتج عنه ارتباك اميركي وعربي في آن معا. كيف؟ لقد كان الخطاب «التاريخي» الذي ألقاه الرئيس بوش الاسبوع الماضي على الجمعية العمومية للامم المتحدة اعلى ذروة لحملة دبلوماسية ودعائية متكاتفة من جانب واشنطن هدفها اقناع العالم بأن العراق يمثل خطرا جسيما على امن جيرانه وأمن الولايات المتحدة نفسها وكان محور الحملة هو «امتلاك» العراق اسلحة دمار شامل ـ نووية وكيمائية وجرثومية وبما ان بغداد ترفض عودة عمليات التفتيش الدولي ـ هكذا كانت تقول الحملة ـ فان شن هجوم عسكري كبير على العراق يكون مبررا في هذه الحالة. والان فان مما لاشك فيه ان الرئيس بوش نادم على خطابه الى الامم المتحدة فقد كان يأمل انه سوف يحظى بدعم دولي لتأديب العراق الخارج على الشرعية الدولية، لكن جاءت المفاجأة العراقية التي تحمل اعلانا بانصياع بغداد لاستئناف التفتيش عن اسلحة الدمار الشامل لتلغي مبررات «التأديب» الاميركي. الآن وقع انشقاق علني في مجلس الامن الدولي، اميركا وبريطانيا تقولان ان قبول بغداد استئناف التفتيش عن اسلحة الدمار الشامل ليس سوى «مناورة» مما يتطلب بالتالي ان يتخذ مجلس الامن قرارا جديدا يكون فيه تجريم للعراق على نحو ما، هذا الموقف الثنائي الغامض يقابله الموقف الجماعي للقوى الثلاث الاخرى ـ روسيا وفرنسا والصين ـ التي ترى ببساطة انه لم يعد هناك مبرر للاسرة الدولية لمجابهة العراق بعد وفائه بما طلب منه. فماذا تقول الدول العربية؟ حتى آخر لحظة قبل تفجير المفاجأة العراقية كانت الحكومات العربية «تبشر» بغداد بما يشبه الوعد بأن قبولا عراقيا بعودة المفتشين سوف ينجى العراق من ضربة عسكرية اميركية، فماذا تقول هذه الحكومات الآن وقد استجابت الحكومة العراقية للمناشدة العربية؟ هل بوسع الحكومات العربية، ان تمنع الادارة الاميركية من تنفيذ تهديدها بالضربة؟ اما السؤال الاهم فهو: كيف تتصرف الدول العربية الآن ازاء الانشقاق الحاصل في مجلس الامن الدولي؟ هل تؤيد الموقف الذي تتبناه روسيا وفرنسا والصين والذي قد يفضى الى رفع نظام العقوبات عن العراق عند نهاية المطاف فتتخذ بذلك موقف معارضة صريحة ضد التشدد الاميركي ام تمضي في تأييد الخط الاميركي الذي يتحدى الشرعية الدولية؟ لقد ثبت الآن ان ادارة بوش لا تتعامل مع مسألة اسلحة الدمار الشامل الا كذريعة، فالهدف الاميركي الحقيقي هو الاطاحة بالنظام الحاكم في بغداد بغض النظر عن امتلاكه او عدم امتلاكه مثل هذه الاسلحة. هو اذن عدوان صريح غير مبرر اطلاقا على دولة عربية.. فكيف يكون موقف الدول العربية؟ الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |