الجمعة 13 رجب 1423 هـ الموافق 20 سبتمبر 2002 تركيز الحديث في العالم كله حول «إسقاط نظام صدام حسين» بحيث اصبح محور الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لجميع الحكومات بلا استثناء يعتبر في حد ذاته نجاحا لسياسة الصقور التي تعشش في البيت الأبيض والتي وجدت في جورج دبليو بوش دميتها الناطقة باسمها، من هنا يتساءل العقلاء من المحللين السياسيين عن الهوس الذي أصاب الجميع بحيث تركوا القضايا العالمية الملحة كمكافحة الفقر والبطالة، وإيقاف تلوث البيئة، أو إنقاذ العالم المتخلف من المزيد من التخلف، وكأن بقاء صدام حسين في السلطة أو إبعاده سيحل كل هذه المشاكل جميعا. في رأينا، سواء قبل صدام حسين أو لم يقبل ما ستسفر عنه قرارات مجلس الأمن المنتظرة بتحريض أميركي، فإن العراق سيتعرض في النهاية لدمار الآلة الحربية الاميركية، لأن ما يحدث الآن في السياسة الاميركية ليس سوى امتداد للعقيدة القديمة التي دخلت بها الولايات المتحدة عهد الاستعمار منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولمعرفة هذه العقيدة القائمة على فكر السيطرة المباشرة يمكن العودة قليلا إلى الوراء في التاريخ لمتابعة تلك العقيدة التي تم تطبيقها مع كثير من الدماء والدمار في اميركا اللاتينية، وبشكل خاص مناطق الكاريبي ووسط اميركا الجنوبية، وان فشلت فشلا ذريعا في جنوب شرق آسيا. بعد اضمحلال قوة إسبانيا الاستعمارية في الاميركتين ونجاح بريطانيا وفرنسا في تطويق وتمزيق مستعمراتها هناك، وبدأت تتفتت تلك المستعمرات إلى دويلات صغيرة تبحث عن مكان لها في سوق الإنتاج العالمي، انتشار زراعات الموز والبن في منطقة اميركا الوسطى بشكل مكثف نتيجة لزيادة الإقبال على هذه المنتجات في أسواق الولايات المتحدة وأوروبا، خلق مشكلة نقل هذه المادة الخام الجديدة، من هنا كانت الحاجة إلى رؤوس أموال كبيرة تتولى تمويل إقامة مشروعات ضخمة ومكلفة كالسكك الحديدية، أو إقامة خطوط نقل بحرية من سفن مخصصة لنقل حبوب البن بشكل يضمن عدم تعرضها للعوامل الطبيعية المؤثرة على الطعم الخاص بهذه الحبوب، فكانت الفرصة سانحة أمام رؤوس الأموال الاميركية التي كانت تمثل في ذلك الوقت رؤوس الجسور الحقيقية لبداية حقبة تمدد استعماري اميركى في العالم الجديد نظرا لحداثة عهد الولايات المتحدة في هذا المجال، مما يجعلها غير قادرة على المنافسة الاستعمارية في أفريقيا وآسيا. أول خطوط للسكك الحديدية للمساعدة على عمليات التصدير من وسط اميركا اللاتينية إلى الموانئ الرئيسية تمت عبر الخطوط الحديدية التي تمت إقامتها عبر كوستاريكا وجواتيمالا عام 1870 باتجاه البحر الكاريبي، للاستفادة بعد ذلك من الممر البحري الجديد الذي أقامته الولايات المتحدة عبر بنما، من اجل استكمال تفعيل إنشاء هذا الخط وزيادة إمكانيات استخدامه بشكل اقتصادي اكثر ربحية تم إنشاء شركة أخرى في جواتيمالا عام 1908، أدت هذه المشروعات إلى اجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية المتمثلة في البنوك الإنجليزية والاميركية ومن ناحية ثانية لفتت هذه المشروعات نظر المستعمرين الجدد إلى هذه المنطقة الغنية بالثروات الطبيعية. جاء نجاح عمليات نقل الموز والبن في منطقة الكاريبي إلى التفات الولايات المتحدة إلى المنطقة حرصا منها على عدم تركها للقوى الاستعمارية القديمة، من هنا قامت بنوكها بالتوجه إلى تمويل الشركات المحلية، ثم السيطرة عليها من خلال دمج بعضها مع البعض الآخر لخلق شركات ضخمة يصعب على رؤوس الأموال المحلية المشاركة فيها أو منافستها، فتحولت تلك الشركات الاميركية إلى ما يشبه الدولة داخل الدولة في منطقة كانت تعيش تحولات اجتماعية ضخمة نظرتا لسيطرة الأجانب على مساحات شاسعة من الأراضي وحرمان سكان البلاد الأصليين من أراضيهم، وتحولهم إلى مجرد أيدي عاملة رخيصة، أو دفعهم نحو المناطق الأقل خصوبة، والحكم عليهم بالفقر الدائم كما حدث مع الهنود الحمر من الاثنيات القديمة، أحفاد سكان العالم الجديد قبل اكتشاف اميركا اللاتينية. من أهم المشروعات الاميركية الاستعمارية في تلك المنطقة كان إنشاء شركة الفواكه المتحدة (يونيتد فرويت كومباني) عام 1811 برأس مال قدره 11 مليون دولار، وهي شركة قامت على المزج ما بين امتلاك الأراضي الشاسعة المطلوبة لزراعة الموز والبن التي يمتلكها الإقطاع المحلي في كل من كولومبيا وكوستاريكا مع شركات اميركية تعمل على نقل الإنتاج وتسويقه في الخارج، ثم إنشاء شركة كويميل فرويت كومباني التي امتدت سيطرتها في المنطقة إلى حد دمج الشركات الصغيرة معها عام 1929 لتشكل نواة أول شركات متعددة الجنسيات في المنطقة التي سيطرت مع شركة النقل البحري «ستاندرد فرويت اند ستيمشيب» على نشاط زراعة وإنتاج ونقل الموز في مناطق وسط اميركا اللاتينية والكاريبي. هذه المنطقة من نيكاراغوا حتى بنما اتخذت شكلا جديدا في ظل انتشار الشركات الاميركية التي بدأت تنمو في العالم الجديد باعتباره اقرب المناطق المفتوحة للحركة الاستعمارية الاميركية في العالم، وقامت تلك الشركات بنقل السكان الزنوج من أصول أفريقية الذين كانوا يشكلون عصب عمليات السخرة التي أنهتها حرب التحرير الاميركية التي فرض فيها الشمال دستوره على الجنوب بالقضاء على العبودية في الولايات المتحدة، فأضافت تلك الشركات بعدا سكانيا جديدا لسكان منطقة وسط اميركا اللاتينية والكاريبي، سهل لها السيطرة على السكان الأصليين لتلك المنطقة، بخلق سلم اجتماعي جديد تحول فيه البيض إلى السيطرة على الطبقة العليا صاحبة رأس المال، وبالتالي السلطة المدعومة بالقوة، فيما شكل الزنوج مع السكان الأصليين طبقة اليد العاملة. ثم جاء تحول رؤوس الأموال الاميركية عن أوروبا خلال الحرب العالمية الأولى لتنتقل إلى اميركا اللاتينية، شكلت هذه الخطوة مرحلة جديدة نحو التوسع الاستعماري الاميركى القائم على رأس المال المسيطر، فنشأت الحاجة إلى مزيد من الأراضي البكر المطلوبة لإقامة مزيد من المزارع، مما جعل الصدام مع الإقطاع المحلي أمرا محتوما، وحتى تنجح الشركات الأجنبية في حربها الجديدة من اجل السيطرة كان لا بد لها من التحالف مع سلطة البيت الأبيض لفتح الطريق أمام سيطرة سياسية على الحكومات المحلية بكل الوسائل الممكنة من إفساد ورشوة. أدى تحالف الدولة في الولايات المتحدة مع رؤوس أموال شركاتها إلى تشكيل قوة ضغط على السلطة المحلية في تلك البلاد فأصابتها بالفساد الناتج عن عمليات الرشوة التي كانت تقدمها تلك الشركات للحفاظ على مصالحها هناك، فيما قامت الولايات المتحدة بالتدخل في السلطات المحلية عبر عمليات سرية تتولى خلالها إثارة القلاقل المحلية التي يتطلب معها استخدام القوة لقمعها، وبالتالي تصبح حاجة السلطة المحلية ملحة للقوة الأجنبية لمساعدتها في استقرار الأمن، من هنا نشأت الحاجة إلى المستشارين العسكريين الاميركيين، أو حتى مشاركة رجال البحرية الاميركية «المارينز» في عمليات حفظ الأمن المحلي بشكل مباشر، وبالتالي إحكام السيطرة العسكرية الاميركية على السياسات الداخلية لبلاد المنطقة للعمل على حفظ مصالح اقتصادية اميركية قبل كل شئ. دفعت أزمة أسعار البن في الفترة من 1897 و1908 ثم أزمة أسواق المال عام 1929 الشركات المحلية في اميركا اللاتينية إلى السقوط النهائي في براثن الشركات المتعددة الجنسية التي كانت تشتري الناتج المحلي بأسعار بخسة، وتقوم بعمليات تخزين انتظارا لارتفاع الأسعار. أدى عدم التوازن في القوة بين الشركات المحلية الصغيرة والشركات الاميركية الضخمة إلى عملية اختلال حقيقي في الأسواق انتهت بالسيطرة الكاملة للشركات الاميركية وبالتالي خلق طبقة جديدة من الحكام العاملين في خدمة تلك الشركات قبل الحفاظ على المصالح الوطنية التي خلقت سلما سلطويا جديدا يقوم على دكتاتورية فردية مدعومة بالشركات الأجنبية أو بالقوات الأجنبية المتمثلة في البحرية الاميركية بشكل مباشر، أو عبر أجهزة المخابرات المركزية التي كانت لها اليد العليا في تغيير الأنظمة هناك عبر الانقلابات الداخلية عسكريا، أو حتى عبر تزييف عمليات الانتخابات في إطار ديمقراطية مزيفة، فنشأت وظيفة «السيد الرئيس» التي عبر عنها الكاتب الاميركى اللاتيني الكبير ميجيل انخيل استورياس في رواية له بهذا الاسم، حتى أصبحت مسألة تغيير السلطة المحلية في جمهوريات تلك المنطقة عملية تقليدية من عمليات السياسة الاميركية، تطبيقا للعقيدة المسيطرة على السياسة الخارجية الاميركية المعروفة باسم عقيدة «جمهوريات الموز». على الرغم من هذه السيطرة التي كانت تفرضها الولايات المتحدة على مناطق نفوذها في اميركا اللاتينية إلا انه نتيجة للسياسات القائمة على القمع التي كان يقوم بها عملائها فقد كانت تخرج عن سيطرتها من حين لآخر بعض تلك المناطق. الضغوط العسكرية الاميركية المباشرة من خلال سيطرتها على أجهزة الأمن للحكومات المحلية والفساد الواضح الناتج عن هذه السيطرة كانت نتيجتها في معظم الأحيان عكسية، وخلقت نوعا من عدم الاستقرار السياسي نتيجة للتمرد على هذا التدخل السافر لصالح فئات محدودة تتمتع بالسلطة وبكل شئ، مقابل طبقة واسعة محرومة وفي الوقت نفسه تعاني جميع أنواع القمع والعنف، أدى إلى ظهور حركات تمرد عنيفة تحاول التخلص بالعمل العسكري من هذا الارتباط القوي بين قوى القمع المحلية والسيطرة الاميركية. عندما وجدت واشنطن أن الأمور تفلت من بين يديها لم تتساءل عن سر العداء لكل ما هو اميركى في منطقة اميركا اللاتينية، أو تحاول تغيير ملامح تلك السياسة بل تمادت في ممارستها للعنف ضد كل من تسول له نفسه التمرد على تلك السياسة العمياء بالقوة، فقامت بالبحث عن قوة معادية «وهمية» تحاول من خلالها تطبيق سياسة القوة التي اعتادت على ممارستها، من هنا قامت باختراع «الشيوعية» كعدو، ليس لاميركا فقط بل للعالم الحر اجمع، ومن خلال هذا الشعار حاولت أن تخلق نوعا من التحالفات لمواجهة عالمية الحرب التي تمارسها هناك من خلال شعار كاذب هدفه الحقيقي إحكام السيطرة على منتجات وأسواق اميركا اللاتينية. حتى تقوم القوات الاميركية بالعمل بشكل مباشر ضد أي نظام متمرد على سيطرتها كانت تسعى إعلاميا إلى تشويهه باتهامه بالفساد والرشوة ثم ترسل قواتها لإبعاده عن السلطة بالقوة، وعندما كانت تفشل في فرض السيطرة بالقوة كانت تلجأ إلى العمليات القذرة من اغتيالات وتمويل معارضين التي كانت تمارسها عبر عمليات المخابرات التي كانت تنتهك فيها كل القوانين الدولية. يكفي أن نذكر ما حدث في نيكاراغوا وهندوراس مع بداية القرن العشرين كنموذج على هذه الممارسات الاميركية الخارجة عن القانون، والتي بدأت بعمليات إثارة القلاقل المحلية من خلال شركات الموز الاميركية، وانتهت بالاحتلال العسكري الاميركى المباشر عام 1912 تحت شعار القضاء على النظام الفاشي هناك والتي استمرت حتى عام 1933. بعد تحقيق هدفها في السيطرة على السلطة في البلدين انسحبت القوات الاميركية تاركة من ورائها نظاما هشا ومرفوضا من الشعبين، من هنا بدأت حرب عصابات طاحنة ضد النظامين بمجرد انسحاب قوات المارينز منهما، غزت هذا الصراع الخلافات التي قامت بين الشركات الاميركية نفسها للاستحواذ على منتجات الموز والبن في هذه البلاد، وحتى لا تعود القوات الاميركية للاحتلال المباشر من جديد ولتقليل حجم خسائرها البشرية، قام المخابرات الاميركية بعمليات اغتيال للزعماء المحللين الرافضين للسيطرة الاميركية، إلا أن عملية اغتيال بعض هؤلاء الزعماء مثل سيسار اوجوستو ساندينو عام 1934 ودعم وجود الجنرال سموزا كحاكم عميل للولايات المتحدة أدت إلى اندلاع حرب عصابات مدمرة في نيكاراغوا، كان يمكن أن تنتهي بمصرع سموزا عام 1954 لولا تدخل الولايات المتحدة المباشر لإخضاع الساندينيين لسيطرتها، فاستمرت هذه الحرب ما يقرب من نصف قرن ليسقط النظام الرافض للوجود الاميركى ويحل محله نظام يرفع شعار الليبرالية المدعومة اميركيا، إلا أن هذا النظام الجديد المدعوم اميركيا انتهى إلى أن يكون نموذجا للفساد، حتى أن أول رئيس يميني موال للولايات المتحدة منتخب في ظل السيطرة الاميركية مطلوب حاليا للعدالة بسبب عمليات تحويل أموال المساعدات الدولية لبلاده إلى حساباته الخاصة في بنوك أجنبية، من بينها بنوك اميركية تسترت عليه وساعدته على حرمان شعبه من تلك المساعدات. ما نشهده اليوم من إصرار الرئيس جورج دبليو بوش على اتهام نظام الرئيس صدام حسين بالإرهاب، باعتبار الإرهاب عقيدة اميركا السياسية الجديدة، وان إسقاطه لا يتم إلا من خلال احتلال مباشر للعراق يشبه كثيرا ما كانت تمارسه الولايات المتحدة في مناطق وسط وجنوب اميركا اللاتينية والكاريبي خلال القرن العشرين، يذكرنا ممارساتها لعقيدة جمهوريات الموز التي كانت ترفع فيها شعار القضاء على الفساد لتحقيق مصالح اقتصادية خاصة بشركاتها بغض النظر عن الثمن الذي يمكن أن تدفعه الشعوب المضطهدة في تلك الحرب بما فيها الشعب الاميركى نفسه، فإذا كان الموز والبن المادتين الرئيسيتين وراء السياسة الاميركية في إقامة جمهوريات الموز في اميركا اللاتينية، فان البترول هو المادة الرئيسية التي تبحث واشنطن عن مبررات للسيطرة عليها في المنطقة العربية، من هنا يؤكد المحللون السياسيون أن عملية إسقاط صدام حسين ليست سوى البداية لتدخل بعدها المنطقة العربية عصر «جمهوريات البترول». ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |