الجمعة 13 رجب 1423 هـ الموافق 20 سبتمبر 2002 نجحت الولايات المتحدة في فرض قضية العراق علينا جميعا كعرب كي ننشغل بها عما يجري فوق ارض فلسطين من مذابح يومية ضد المدنيين الابرياء من ابناء شعبنا الفلسطيني، وبالأسلوب نفسه استطاعت اسرائيل رفع صوت ازمة مياه نهر الوزاني على اي صوت آخر يمكن ان يرتفع في الذكرى العشرين لمذابح صبرا وشاتيلا، فشارون المتهم بارتكاب هذه المذابح يشغل اليوم رئاسة الوزراء في اسرائيل، ولا حاجة به الى اي صوت يرتفع ليذكر العالم بتلك المأساة التي جرت في 16 سبتمبر من العام 1982. لقد اراد شارون الا تشير اليه اصابع الاتهام العربية او العالمية بأنه ارهابي وقاتل، ولذلك افتعل ازمة المياه مع لبنان الذي تصدى لهذه المؤامرة بكل شجاعة، فشارون يعرف جيدا ان لا حق لاسرائيل في مياه لبنان ولكنه اراد من وراء افتعال هذه المشكلة الا يتذكر العالم صور واشلاء آلاف الضحايا الذين قتلهم، ولا يريد للعالم ان ينعش ذاكرته بصورة السفاح الصهيوني، لانه عندئذ سوف يتم التشويش على كل جهود الصهيونية العالمية التي ترمي العرب والمسلمين دون غيرهم بالارهاب. انهم يريدون للعالم ان يتذكر فقط ضحايا 11 سبتمبر وليس ضحايا 16 سبتمبر، وعلى العالم ان يغلق عقله فقط على المزاعم الصهيونية على مايسمى مذابح النازية ضد اليهود، وعلى الجميع ان ينسى حقائق ووقائع مذابح السفاحين الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني. لقد كانت الذكرى العشرون لمذابح صبرا وشاتيلا فرصة لكي نلقي بتهمة الارهاب في وجه الارهابيين الحقيقيين في اسرائيل والولايات المتحدة. كانت الذكرى فرصة لنفضح ماضي وحاضر الارهاب الصهيوني المتسلح بالدعم الاميركي، واذا كان شارون قد افلت من القضاء البلجيكي، فكان الاجدر الا يفلت ـ هذه الايام ـ من الملاحقة المعنوية والاعلامية على مستوى العالم كله، كان علينا ان نقلق ضمير العالم كله في ذكرى هذه المناسبة الدامية مثلما يفعل غيرنا من الاعداء. كان علينا ان نسمع واشنطن ان الارهاب موجود في تل أبيب وعليها ان تكف عن دمغنا بتهمة الارهاب، لأن أياديها وايادي حلفائها في اسرائيل ملوثة منذ القدم بدماء الضحايا الفلسطينيين في دير ياسين وقبيه وكفرقاسم ودير ياسين وصبرا وشاتيلا وقانا وجنين وغزة. هذا الدور كان يجب الا يقوم به فقط بعض دعاة السلام في العالم الذين قدموا الى بيروت من اليابان ومن عدة دول اوروبية لاحياء ذكرى مذابح صبرا وشاتيلا، وانما كان يجب ان يكون جهدا عربيا شاملا، وللاسف فان غياب استراتيجية عربية في التعامل مع مثل هذه الاحداث يفقدنا كل يوم فرصا كثيرة لكي نتصدى بقوة للأكاذيب الاميركية الصهيونية التي تتهمنا بالارهاب، ولا تكف عن تدوير هذه الاسطوانة القذرة في اعلامها ليل نهار. واذا كانت الولايات المتحدة قد شغلت العالم كله بضحايا مركز التجارة العالمي قبل تسعة ايام فكان علينا ان نفعل ذلك ايضا حتى لا يبدو للعالم ـ ضعيف الذاكرة ـ ان الصهاينة والاميركان هم من يقف في موقف الضحية بينما نقف نحن في قفص الاتهام. ان ما تعرض له الضحايا الفلسطينيون في صبرا وشاتيلا ما يزال كارثة انسانية مفجعة لم تستثمرعربيا بقدر فداحتها لخدمة الحقوق العربية سواء على المستوى الاعلامي او السياسي او حتى القانوني. كما لم تستغل في اطار الهوجة الدولية المطالبة بالتعويضات .. فلماذا تعويضات ضحايا لوكيربي و 11 سبتمبر فقط دون صبرا وشاتيلا وغيرهم من الضحايا العرب؟ ان هؤلاء الضحايا يمتدون عبر العالم العربي مثل ضحايا ملجأ العامرية بالعراق وبحر البقر بمصر والعزيزية بليبيا وهم جميعا ضحايا للمجازر والاعتداءات الاميركية الصهيونية. وهنا اتذكر ما سبق واقرته القمة العربية التي انعقدت في القاهرة عام 2000 واتفق فيها الزعماء العرب ـ من بين ما اتفقوا عليه ـ ان تتم المطالبة بتشكيل محاكمة دولية للمسئولين والضباط الصهاينة الذين ارتكبوا مذابح بحق الشعب الفلسطيني خلال انتفاضة الاقصى المباركة، ولكن هذه القرارات عرفت طريقها الى النسيان، وكان هذا النسيان من العوامل التي شجعت شارون فيما بعد على التمادي في جرائمه وارتكاب مجزرة جنين ثم غزة. لقد أثبت التراخي العربي الرسمي امام السفاحين الصهاينة ان الدم العربي صار عند بعض العرب محررا من قاعدة الدم بالدم. وشارون بالطبع يفهم ذلك جيدا ولذا استمر في جرائمة واستطاع شغلنا جميعا عن دماء ضحايا صبرا وشاتيلا بماء الوزاني، ليثبت ان الدم العربي صار ارخص من الماء. والآتي اعظم فقد تفيض ضفاف دجلة والفرات بدماء الشعب العراقي مثلما حدث ايام التتار، ان ظل الموقف العربي الرسمي على تراجعه وتواطئه امام المؤامرات الاميركية، فعندئذ سيكون علينا ان نثبت ـ ابراء لضمائرنا ـ ان كل كوب ماء نشربه ـ ان كانت لنا حياة او حياء ـ ليس مضرجا او ممزوجا بدماء اخوة لنا قتلهم الصهاينة والاميركان في فلسطين والعراق. الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |