الخميس 12 رجب 1423 هـ الموافق 19 سبتمبر 2002 كان ذلك عندما اقترب يوم 28 أغسطس وهو يوم ميلاد الدكتور بدر الذي يذكر عنه شكوى والده من أنه ولد في نهاية الشهر والمرتب قد طار مع بداياته فكانت الأمور صعبة لتكاليف الولادة. ويذكر عنه أيضا صدمة ألفت زميلته في الكلية، فعندما عرفت تاريخ ميلاده تجهمت وقالت له مستنكرة: انت من برج العذراء؟! وبدا أنه ارتكب جريمة، وحاول الاعتذار لألفت عبثا. وفي النهاية ابتعدت عنه وعاش بحبها سنوات قبل أن يتزوج من نجاة التي قررت أن يكون الاحتفال في هذا العام كبيرا ومهيبا، فهذا هو عيد ميلاده الخمسون. وهو رقم كما قالت زوجته «مقفول»! وفي مثل هذه الحالات كان الدكتور بدر يتمنع ويبدي احتجاجه وترفعه عن مثل هذه الصفات، لكنه كان شغوفا بمعرفة طبيعة الاحتفال الذي سيقيمونه له. وكان الاحتفال كما قالت خالته رتيبة ليلة من ألف ليلة. وتحمس الجميع لهذا الوصف. ولم لا؟ فلم ير أحد أي ليلة من الألف ليلة؟ واذا نسي الدكتور بدر كل ما حدث في هذه الليلة، وبالطبع لن ينسى حتى لو أصابه الزهايمر لا قدر الله، فإنه لن ينسى صالحة هانم وما حدث ليلتها. فوجئ في تلك الليلة بحضور صالحة هانم وبالطبع لم تكن مدعوة، لكن أحدا لا يجرؤ إلا على الترحيب بها، فهي شخصية قوية جريئة وقحة أحيانا، ورغم أنها في الستين إلا أنها تلبس ملابس العشرينيات وتصبغ شعرها باللون الأصفر وتدخن في حضور الجميع. هذه المرأة.. صالحة هانم طلبت أن تختلي به. ارتبك. جذبته الى مكان بعيد عن المدعوين وقالت له بجد، اذا كان من الممكن أن تكون جادة: - اسمع يا دكتور. كنت أريد أن أعطيك هديتي أمامهم، لكنني خشيت ألا يفهموا معنى الهدية، فهم مجموعة من الحمير.. فأنت وزوجتك دعوتما مجموعة من الحمير، ولا أعرف السر في هذا. على أي حال أجمل الهدايا ما كانت في السر.. تفضل! وقدمت له الهدية في كفها الأبيض العريض، وحملق الدكتور بدر حتى كادت تجحظ عيناه. وراجع ألف مرة أي رد فعل من الممكن أن يدخل به الى ساحة الحمير، لكنه مع ذلك لم يستطع أن يمد يده. فلقد بدا له في لحظة أنه سينضم الى الساحة سواء أخذ الهدية أو رفضها. فلقد كانت صالحة هانم تقدم له خاتما مما تلبسه النساء مصنوعا من الذهب، ومنتهيا بفص من الفيروز. قالت له في حدة، وبصوتها الخشن: - لا أظنك حمارا مثل ضيوفك وترى أن هذا خاتم حريمي، ولا تلحظ الفيروز ومغزاه. هذه يا دكتور تعويذة خذها وسترى نتائجها، وأظنك ستكون طول عمرك أسير فضلي! وضحك ونجاة حتى الصباح وهما يتبادلان الخاتم، ويضعه بدر أحيانا في أصبعه، وربما «تقصع» وهو يسير مقلدا النساء. وانتهت الليلة بأن أخذت نجاة الخاتم واستعدت للنوم وقالت له: - سأضعه في صندوق مجوهراتي! شعر الدكتور بدر بغصة، إنه يعرف أن الخاتم نسائي وضحك على ذلك كثيرا، ولكنه يحب التملك، وزوجته تصادر كل ما يصلح لها أو حتى لا يصلح، ومنذ أسابيع حرقت قلبه على «سويتر» جميل اشتراه من باريس بدعوى أن ألوانه نسائية ولا تصلح لرجل. اغتصب الخاتم منها، وقال لها انه لا يتحمل لسان صالحة هانم اذا رأته في اصبعها. ولذلك سيحتفظ به. بالطبع لن يضعه في اصبعه، ولكنه سيحتفظ به كتعويذة كما ذكرت صالحة هانم. وهكذا انتهى الموقف رغم أنه صاحبته مناقشات طويلة، وبعد أيام كان الخاتم في محفظة الدكتور بدر وبعد نحو ثمانية أيام دق التلفون وجاءه صوت «بريتون» عريض يحييه بمودة رسمية، ويحدد له موعدا بعد ساعات. في تلك اللحظة نفسها تذكر الدكتور بدر التعويذة. وكان حريصا على وضعها في المحفظة، وخطر على باله أنه قد يتعرض للتفتيش عند البوابة، وقد يرون الخاتم الحريمي، وتكون تلك فضيحة العمر، لكنه لم يجرؤ على ابعاد الخاتم. ولم تمر أيام إلا وقد حلف اليمين، وجلس على مكتب الوزير الذي جلس عليه من قبل من لم يتخيل أن يقترب من بابهم، وأحس أنه ضئيل وأن أي كرسي في الغرفة الواسعة أكبر من حجمه. ولكن ذلك لم يستمر طويلا، فلقد أدرك بفضل معاونيه وبفضل بعض أصحاب الحاجات أنه عبقري لم تلد الأمهات مثله، وأن كل الذين جلسوا على الكرسي قبله عليهم أن يخجلوا من أنفسهم لأنهم ليسوا في ربع قدراته، وأنه انجز في شهر ما لم يتموا انجازه في قرن كامل. وذات يوت ضاعت التعويذة! انقلبت الدنيا، واتهم معالي الوزير معاونيه بسرقته، فلما كان يسأله أحدهم: - سرقة ماذا يا معالي الوزير! كان يثور الى حد الهستريا، فهو ليس مستعدا أن يقول لأحد أن ما سرق منه هو خاتم حريمي. وغضبت نجاة لأنه لمح أنها سرقت الخاتم. وفي نفس اليوم الذي ضاع فيه الخاتم قرأ في صدر إحدى صحف المعارضة خبرا عن تعديل وزاري. ثم خبرا عن تغيير وزاري ثم تلميحا عن تغيير بعض الوزراء هو منهم. وأثناء عودته الى البيت طلب من السائق أن يغير مساره. وهكذا وجد نفسه بعد نصف ساعة جالسا أمام صالحة هانم التي لم تستطع اخفاء دهشتها لزيارته، قال لها: - لم تأت الفرصة لأشكرك على هديتك الثمينة يوم ميلادي، فلقد تطورت الأمور بشكل مفاجئ، وشغلت بما تعرفينه، لكنني كنت دائما أقدر فضلك علي. وكنت أنوي والله على ما أقول شهيد، أن أحضر اليك لأقدم لك امتناني.. ولقد عجل في ذلك أمر محزن، فلقد فقدت المحفظة وفيها التعويذة: الخاتم الذي قدميه لي، وكان سبب سعدي، أخشى على ما وصلنا اليه، فقد يضيع في لحظة. لذلك أتوسل اليك أن تقدمي لي فضلا آخر ربما يفوق سابقه، وهو أن تدبري لي تعويذة ثانية؟ وفوجئ الدكتور بدر بأن صالحة هانم أخذت تضحك حتى كشفت مالا يصح أن تكشف، ورغم همه إلا أنه خطر على باله أن يتزوجها رغم أنها أكبر من نجاة بعشرين عاما، فها هي فاتنة رغم الستين، فضلا عن أنها ستكون هي نفسها تعويذته الكبرى. تماسكت صالحة هانم بعد فترة طويلة وقالت له: - من فضلك يا معالي الوزير حاول أن تسمعني في عيد مولدك الخمسين قالت خالتك رتيبة لأمر لا يهمك معرفته الآن، وأوصلتها الى حيث يقام الحفل. ولم أرفض دعوتها للحضور. فقط لم أكن أحضرت لك هدية. وتفتق ذهني عن فكرة الخاتم والتعويذة وكل هذه الخرافات. ولم أتخيل أنك ستصدق هذا الكلام. لكنك على ما يبدو لي الآن صدقت جدا. وفي النهاية أعرض عليك اتفاقا أن تنسى أمر التعاويذ وتعتمد على جهدك الخاص. ومن جهتي لن أحكي هذه الحكاية لأحد. بدا له اتفاق عادل. فلو أنها حكت الحكاية ستكون فضيحة العصر. ومن الغريب أنه أحس بارتياح، فلم يكن هذا الانجاز الذي لم يسبقه اليه أحد من فعل تعويذة، بل جهده وعبقريته. إنه لا يحتاج الى تعويذة فهو في جملة مواهبه وقدراته.. إنه الأعظم؟ وابتسم له مدير مكتبه في مداهنة وإن أدرك فيما بعد أنها كانت ممتزجة بلمسة سخرية خافية: - يبدو أن معاليك لم تقرأ الصحف بعد.. لقد تم تغيير وزاري، ولسوء حظنا فقدنا شرف العمل مع معاليك في هذه المرة؟ وقرر الدكتور بدر أن يعود الى الجامعة لكنك تستطيع أن تقابله عند محلات المجوهرات وهو يفتش عن خاتم حريمي بفص فيروزي! الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |