الخميس 12 رجب 1423 هـ الموافق 19 سبتمبر 2002 عندما تسمع صوت كل من الاميركي سكوت ريتر والبريطاني جورج جالوي وهما يدافعان عن قضية العراق ويدمغان جورج بوش وتوني بلير بالكذب فإنك قد تقول لنفسك: الدنيا لا تزال بخير. وعندما تسمع في المقابل عالما عراقيا عربيا مسلما يسخر بلاغته العلمية بالباطل ليبرر النوايا الاميركية والبريطانية الشريرة ضد وطنه فإنك قد تستخلص ان الامة العربية والاسلامية تعيش حالة اضمحلال اخلاقي. لمدى اربع او خمس سنوات نذر سكوت ريتر نفسه لقضية العراق بعد ان دخل التاريخ باستقالته المدوية من منصبه ككبير مفتشي اللجنة الدولية للتفتيش عن اسلحة الدمار الشامل في العراق. ولم تكن استقالة ريتر لاسباب ذاتية وانما لانه اكتشف ان رئيس اللجنة الاسترالي رتشارد بتلر انشأ شبكة تجسسية قوامها اعضاء في فرق التفتيش لحساب كل من وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية والموساد الاسرائيلي لجمع معلومات سرية عن مؤسسة السلطة العراقية لا علاقة لها بمهمة اسلحة الدمار الشامل. ومن احدث فتوحات ريتر تصديه قبل بضعة ايام لعالم نووي عراقي يدعى خضر حمزة فر من وطنه قبل نحو ثماني سنوات. لقد تحدث العالم النووي خضر الى صحيفة بريطانية حديثا مطولا محوره تبرير الاتهامات التي تحاول ادارة بوش الصاقها بالعراق للتمهيد لضربة عسكرية غير مشروعة. لقد قال فيما قال ان العراق يمكن ان يكون قادرا على انتاج قنابل نووية خلال اقل من ثلاثة شهور من الآن وكأنه يستعجل جورج بوش او يبرر عجلته لشن الهجمة العسكرية قبل نهاية العام الجاري. وبينما حرص هذا العالم النووي ان يؤكد للصحيفة البريطانية على انه كان احد المساهمين في وضع برنامج التسلح النووي العراقي فإنه «تنبأ» بناء على هذه الصفة السابقة بأن بوسع العراق ان ينتج ثلاث قنابل نووية في الاشهر القلائل المقبلة «ما لم يتم منعه من تحقيق ذلك بسرعة». والغثيان الذي قد يصيبك وأنت تتابع هذا الكلام الهزيل لا يزيله الا انتقالك الى الحديث المضاد الذي صدر عن سكوت ريتر ـ ذلك الاميركي الذي يعتمل قلبه بغيرة نادرة على الحق. لقد استدعى ريتر وهو يتحدث الى تلفزيون «بي بي سي» ذخيرته المعلوماتية عن العراق كمفتش دولي سابق على الاسلحة فأبلغ العالم بأن أوراق اعتماد العالم العراقي متواضعة. العالم النووي خضر حمزة كان، كما ابلغنا ريتر، عضوا ثانويا في فريق نووي عراقي دعا الى انشاء برنامج التسلح العراقي. كان ذلك في عام 1988. وبعد عدة اشهر فقط أُقصي خضر حمزة من الفريق «وعاد بعد ذلك الى حياته البسيطة كمواطن عادي» وقال ريتر ايضا ان هذا العالم «ليس على علم بالمعلومات التي يدعيها». اما جورج جالوي عضو البرلمان البريطاني فإنه ظل يقود معارضة شرسة في اوساط حزب العمال الحاكم ضد رئيس الوزراء توني بلير وسياسة التبعية للولايات المتحدة التي ينتهجها. وقد نجح حتى الآن في استقطاب اكثر من 160 من نواب البرلمان العماليين لمواجهة في الجلسة التي تعقد قريبا بشأن مشكلة العراق ودور بريطانيا، ويقال ان بلير من فرط تخوفه من حملة جالوي يعمل على اكتفاء مجلس العموم باجراء مناقشة دون اجراء تصويت. واذا كنت من المتابعين لحملة جالوي لصالح العراق داخل بريطانيا وخارجها فإنك لا تملك الا ان تدرك مدى ضآلة التحرك الدبلوماسي العربي. وعندما تسمع جالوي الذي ليس بعربي او مسلم وهو يفند ويدحض التبريرات المتهافتة الصادرة عن بوش وبلير لشن حرب على العراق فإنك قد تتساءل: كيف لا يرقى العمل الدبلوماسي العربي الى مستوى جالوي على اقل تقدير؟ ويبقى السؤال الجذري الاكبر: هل نحن كأمة عربية واسلامية بلغ بنا الهوان الى درجة انحطاط على مستوى اضمحلال اخلاقي؟ كيف يستيقظ ضمير اميركي ذو شأن فيتخذ موقفا لصالح الحق العراقي يضعه في مواجهة حتمية مع وكالة الاستخبارات الاميركية والموساد الاسرائيلي ولا يستيقظ الضمير العربي بشقيه الرسمي والشعبي؟ وكيف ينهض برلماني بريطاني ليشن حربا سياسية ضد بوش وبلير بينما تتحرك الدبلوماسية العربية في اتجاه تأييد الهجمة الاميركية المرتقبة ضد دولة عربية واسلامية شقيقة دون وجه حق؟ الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |