الخميس 12 رجب 1423 هـ الموافق 19 سبتمبر 2002 في السياسة، كما في القانون لا ينفصل الشكل عن المضمون، وأي قضية مطروحة أمام محكمة تتألف من جانبي (الاجراءات) و(الموضوع) والمحامي (الشاطر) وخاصة في قضايا الضبط أو الاحرار - يفتش مليا عن ثغرة في سير الاجراءات لعله ينفذ من خلالها الى تبرئة ساحة موكليه وجانبا الاجراء والموضوع قد يجاوبه في عالم السياسة جانب اللفظ والمضمون، لاسيما وأن السياسة والدبلوماسية في عصرنا الراهن لم تعد تقتصر في طرحها وتداولها والبت في أمورها على قصور الحكام أو أروقة السفارات بل أضحت في معظم أقطار الدنيا شأنا من شئون الرأى العام لصيقا بالمشاركة الشعبية ويتم طرحه وتداوله من خلال ميديا الاعلام وقنوات التواصل والتعبير الجماهيرية التي قد تبدأ عند التمثيل النيابي ولا تنتهي عند أنشطة مؤسسات المجتمع المدني وجماعات المصالح وقوى الضغط وسائر مكونات المجتمع الحديث. هكذا اصبحت المصطلحات التي تطرح في أسواق السياسة مع مطلع كل صباح بمثابة الخبز اليومي الذي يتعيش عليه قوى شتى مابين جماهير الرأى العام الى قطاعات المشتغلين بالشأن العام من مفكرين ودراويش ومحللين ومعلقين. الشعارات نعمة ونقمة وحين استكملت اميركا قدراتها في مجالي الاتصال والاعلام مع منتصف القرن الماضي.. بدأ هذا الاهتمام بجانب المصطلح أو الشعار السياسي لكي تكون لافتة تدل على مضمون أو مفهوم معين يريد أصحابه ان يوصلوه الى أوسع قطاعات الرأى العام، لا في اميركا - الداخل - ولكن في انحاء شتى من كرة الأرض وذلك بحكم ماظلت اميركا تحكم به من تسنم مقاليد الهيمنة على مقاليد العالم حيث يمكن ترجمة هذه الهيمنة، لا الى مجرد سمعة ومهابة أو الى موقع ممتاز ومكانة، ولكن في الاساس الى تحويلة وافدة بالمليارات واسهم متصاعدة القيمة في البورصات وكلها تصب العافية في شرايين اقتصاد الولايات المتحدة وتكرس مزيدا من القبول والتأييد للصفوة الحاكمة على صعيدها، ونعمة الشعار انه يلخص الكثير من الأفكار ومما يرشحه - بفضل مهارة الصياغة وحرفية السبك - للرواج والانتشار بين أوسع قطاعات الجماهير. ولكن نقمة الشعار انه يختزل الأفكار ومن ثم يبتسر مضمونها مما قد يفضي الى تضليل الناس أو الى الاخلال بتوازن الأفكار، وعلى مدار نصف القرن الاخير.. دأبت ماكينة الشعارات الاميركية على سبك وافراز شعارات من هذا القبيل قصد بها في الأساس الى مخاطبة بسطاء الناس في أرجاء العالم المختلفة أو قصد بها أن يرتبط رنينها وجرسها بزعامات اميركا ورؤسائها بحيث تسجل مآثرهم في دفاتر التاريخ. من روزفلت الى كلينتون منذ الاربعينيات ارتفع شعار الرئيس روزفلت الشهير على سبيل التعبئة لمخاطر الحرب العالمية الثانية وقال الشعار: ليس لدينا مانخافه سوى الخوف نفسه، وفي الخمسينيات.. وفي أوج حركة المد القومي العربي وبعد معارك السويس التي اعقبت النجاح في تأميم القناة المصرية ومن ثم بدأ انهيار الامبراطوريتين الانجليزية في المشرق والفرنسية في المغرب العربي.. طلع الرئيس ايزنهاور بشعار الفراغ في الشرق الأوسط ومن ثم الدعوة الى ملء الفراغ من خلال روابط عضوية مع اميركا في اطار منظومات دفاعية رأت فيها حركة القومية العربية انها بمثابة اعادة للعرب الى مناطق النفوذ. وبدأ الستينيات بشعار الرئيس كيندي الأشهر حين قال: ليس المهم ان تسأل ماذا قدم الوطن لشخصي بل اسأل نفسك ماذا قدمت أنت للوطن وقبل ان تنتهي الستينيات كان خليفته جونسون قد طرح شعار المجتمع العظيم وكان - على طريقة جونسون - شعارا داخليا بحتا يدور حول اصلاح نظم العلاج والضمان الاجتماعي والرعاية داخل الولايات المتحدة. وعندما جاء جيمي كارتر الى السلطة في منتصف السبعينيات.. بدأت الماكينة اياها في صوغ وطرح شعارات كان لها ولا شك جاذبية خاصة وكلها دارت حول (حقوق الإنسان) وقد تزامن توقيت هذه الشعارات عمدا مع غزو السوفيت لافغانستان مما أحدث خللا في ميزان القوى في وسط وشرقي اسيا.. ومهد السبيل الى رئيس أمريكي اخر مازالت افكاره محل اهتمام - هل نقول واستنساخ - في منظومة السياسة والاعلام والدبلوماسية الامريكية في الحقبة الراهنة. هذا هو الرئيس رونالد ريجان الذي نمت في حقبته - الثمانينات - قوى اليمين الاميركي لكي تزدهر مع مجئ الرئيس الحالي بوش - الابن مع مطالع القرن الحادي والعشرين. امبراطورية الظلام لم يكن ريجان سياسيا بارعا مثل روزفلت ولا كان قائدا كبيرا مثل الجنرال ايزنهاور ولا كان رئيسا مثقفا مثل كينيدي ومن ثم لم تنشط في عهده مؤسسات الابداع أو التنظير بقدر مانشطت في حقبته ماكينات الشعارات التي تبسط - على طريقة ريجان نفسه - كل الافكار وكل الطروحات والمقولات.. ومن أشهر منتوجات هذه الآلة الاعلامية كان شعار ريجان الشهير الذي وصف به يومها الاتحاد السوفيتي بانه: (امبراطورية الشر والظلام) ولم يكن الأمر مجرد عبارات وصفية مرسلة للقائمين على تشغيل تلك الماكينة الذين كان همهم ولا شك هو احداث أكبر قدر من التأثير في نفوس الجماهير في اميركا وفي العالم أيضا. هنالك استخدموا مصطلح (امبراطورية) وهي كلمة تستدعي في الاذهان ذكريات سلبية في مجموعها من سجل التاريخ: صور المذابح التي نصبها الرومان والاستغلال الامبريالي الذي مارسه اصحاب الامبراطوريات الاستعمارية، والقهر السياسي الذي عاشته روسيا في عهد القياصرة.. هذا فضلا عن الصدارة النمطية الاشمل لأي امبراطورية بوصفها كيانا يقوم على التبعية والطغيان والقهر والغاء خصوصية وكيان الفرد الإنسان.. الخ. بعدها تأتي حكاية الشر والظلام وتلك بدورها صورة مرسومة لكيان حالك الظلام لا بسبب انقطاع الضوء ولكن بسبب خبث الشرور وكأنما تركوا الأمر للشياطين الأبالسة تعيث في العتمة وتفسد في ارجاء الأرض وتدمر عمرانها وتدك بنيانها.. الخ الدول المارقة في حقبة كلينتون أحيل هذا الشعار الريجاني الى تقاعد مؤقت.. وبدلا منه اصطنع رجال كلينتون شعارا اخر يصفون فيه الدول من اعداء امريكا اعداء مصالحها وأن شئت التدقيق وكان الشعار - كما قد تذكر هو: الدول المارقة. والصفة في الأصل الانجليزي هو (روج) بالجيم غير المعطشة وهي كلمة تعود في اصلها اللاتيني الى فعل روجاري بمعنى التشرد والتجوال والصعلكة.. ثم انها اكتست معاني شتى منها المعنى المادي الذي يصدق على حيوان الغابة الوحشي الشارد عن القطيع ومنها المعاني المادية والمعنوية أيضا التي تضفى على الفرد سلوكيات التشرد والخروج عن الجماعة والشحاذة واللصوصية بل والاجرام فما بالك حين توصف بها دولة من دول العالم، هنالك احتار المترجمون الدوليون في أمرها أيام حقبة كلينتون وبعد بحث خلصنا الى ترجمة لقطة (روج) على أساس معنى (المروق) في عربيتنا الشريفة وهو الذي يؤدي المعنى اللاتيني الأصلي ومعنى الخروج عن القطيع للحيوان أو عن الجماعة للانسان.. مع ماقد يؤديه لفظة المروق من ايحاءات الضلال والزيغ وتنكب الطريق السليم.. الخ وهكذا دخل شعار الرئيس بيل كلينتون لغتنا العربية مترجما على انه (الدول المارقة) وهو عندنا ترجمة موفقة من حيث الدقة اللغوية والأساس العلمي من جهة ومن حيث اللياقة الدبلوماسية والملائمة السياسية في وصف الدول من جهة أخرى. لكن.. على من؟ جاء الرئيس بوش الحالي ليصب مزيدا من زيت الاثارة على نار المروق ويعيد الى الخدمة شعارات مرحلة ريجان بكل تصميماتها اليمينية واحكامها المطلقة وكان ان اخترعت له ماكينة الاعلام الجماهيري الشعار الاشهر الذي يصف من جديد اعداء اميركا أو الدول التي قررت واشنطن ان تصنفها في خانة الاعداء وهو. محور الشر وكما عمدوا الى استخدام مصطلح (امبراطورية) أيام ريجان لكي يستعدوا معه كل ذكريات الطغيان الامبراطوري القديم.. فقد عمدوا في زمن بوش الراهن الى استخدام مصطلح (محور) لكي يستدعي بالتالي اسوأ الذكريات المعاصرة التي ترجع الى أيام الحرب العالمية الثانية حيث (المحور) هو ذلك الاسم الذي أطلق على التحالف الدولي الذي تزعمته كل من ألمانيا (الهتلرية) وايطاليا (الفاشستية) ثم اليابان وقد دام في الفترة 1936 - 1945 (انضمت اليه اليابان عام 1940) هذا الى جانب دول اخرى من وسط أوروبا والبلقان مثل رومانيا وهنغاريا (المجر) وبلغاريا وسلوفاكيا وكرواتيا ثم اسبانيا وفنلندا. وقد شنت دعايات الحلفاء (غرب أوروبا وأمريكا) حملات اعلامية شعواء لتصوير المحور في صورة اعداء الانسانية وخصوم الديموقراطية ومرتكبي المذابح والاساءات الى حقوق الإنسان.. في حين ان الصراع الاساسي بين جانب المحور وجانب الحلفاء خلال الحرب الثانية كان من أجل الموارد الاقتصادية، واقتسام مناطق النفوذ السياسية فوق خريطة العالم، والحاصل ان دخل مصطلح المحور الى معاجم السياسة الدولية الراهنة من باب الرفض، والكراهية والصورة السلبية المقتية ومن ثم كان استخدامه في عهد بوش الحالي مقرونا بالشر أمرا متعمدا ليصدق على كل من ايران والعراق، وبالمرة على كوريا الشمالية وخاصة فيما يتعلق بما ارتأته واشنطن من أن هذه الدول تعمل على تطوير أسلحة الدمار الشامل. الاعلام والدبلوماسية الجماهيرية ولعلنا نضيف ان هذا كله مفهوم لمن يكلف على متابعة مجريات السياسة الدبلوماسية والسياسة الاعلامية على الصعيد الدولي وقد باتت كل منهما مقترنة بالاخرى لدرجة ان المصطلح المستخدم حاليا في دوائر واشنطن العليا هو الدبلوماسية الجماهيري أو الشعبية العامة، ليصدق بدوره على الجهود الاعلامية الى تقصد اميركا الى ان توجهها الى شعوب العالم الخارجي. لكن الجديد هو ما لاحظناه مؤخرا ان تسرب مصطلح مستحدث الى أدبيات السياسة - الاعلام الاميركية انظر مجلة السياسة الخارجية - فورين بوليسي، عدد سبتمبر ـ أكتوبر 2002 وهذا التعبير المتحدث هو.. محور.. الغيرة (بمعنى الحسد). صاحب المصطلح ليس اميركيا ولكنه كاتب ألماني واضح انه مدله في غرام اميركا وهو الصحفي (جوزيف جوف) الذي يكتب في صحيفة دي فرايت في هامبورغ ويقدم نفسه على انه عضو منتسب في معهد (أولين) للدراسات الاستراتيجية بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة. وقد سبق للأستاذ (جوزيف جوف) ان كتب في مجلة (دي ناشونال انترست) وتعد من مجلات اليمين الأمريكي (عدد الصيف من عام 2001) مقالا بعنوان (من الذي يخاف من الكبير؟) وطبعا يقصد بالسيد الكبير اميركا شخصيا وفي المقال أكد الزميل الالماني كيف ان سطوة اميركا تتجاوز رصيدها الاقتصادي والعسكري.. ذلك لأن ثقافة اميركا تمارس اشعاعها على الناس جميعا يستوي في ذلك الصفوة والدهماء.. ومن ثم فإن القوى اللينة - غير المادية للتأثير الأميركي مازالت تبسط نفوذها على امبراطورية لا تغرب عنها الشمس لحظة واحدة.. الخ. هذا الغزل المشبوب في اميركا مكتوب قبل أحداث 11 سبتمبر.. وها هو السيد جوزيف جوف يعود ليكتب عن محور الحسد أو الغيرة ذلك الذي جعل شعوبا تشعر بهذا الحسد وتلك الغيرة الى حد أن تشكل منها محور جديد. السؤال: هذه الشعوب.. أين؟ ويجيب: الكاتب الألماني هي من أوروبا! والسؤال مستمر: يحسدون من؟ ومرة اخرى يجيب الألماني: انهم - الأوروبيون، يحسدون كيانين اثنين وهما: اميركا و.. اسرائيل؟ شارون وأمريكا تبادر فتقول في هذا السياق مباشرة ان هذا المنحى من التفكير مشبوه بكل مقياس.. ان الهدف الصهيوني المعلن والمستتر معا في هذه المرحلة هو المزيد من الاقتران بين اميركا واسرائيل وربما يعود نجاح شارون في ارهاب الدولة الذي أمعن فيه ولا يزال - الى انه استطاع ان يستغل هستيريا الذعر - بارانويا الخوف التي انتابت الكيانات السياسية الاميركية لكي يقرن بين شعار واشنطن في محاربة الارهاب (وقد تعرضت له اميركا بالفعل في سبتمبر) وبين شعار شارون فيما يسميه محاربة الارهاب (الفلسطيني) وماهو بارهاب ولكنه في الجوهر ملاحم ومعارك ومشاهد في حرب تحرير وطنية طويلة الامد فادحة التكاليف ضد الاحتلال العنصري الصهيوني للأرض الفلسطينية - العربية المحتلة لكن من يقرأ.. ومن يسمع؟ ها هو كاتب ألماني يعمل في مطبوعة محترمة وينتسب الى جامعة محترمة ومع هذا كله لا يتورع عن تفسير لواعج الغيرة ونيران الحسد التي تعامل بها - في رأيه - كل من اميركا واسرائيل.. وفي هذا الشأن يسوق تفسيرات غاية في الغرابة من قبيل: النجاح في مضمار الديموقراطية - وسيادة الشعور بالعداء للسامية (كراهية اليهود في رأيه) وتعمق روح الوطنية في اميركا واسرائيل من ثم فكلا الكيانين لا يتورع - عند الكاتب الألماني - عن استخدام القوة للدفاع عن هذه.. الوطنية لك ان تضع عشرات عن علامات التعجب عند كل هذه المقولات ولهم الله أولئك الذين كتب عليهم متابعتها لتوعية الناس بها وعلى شفاههم سؤال معلق لابد ان يقول: ثم وماذا بعد؟ ما الذي يراد بالناس في هذا العالم؟ ـ كاتب سياسي مصري الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |