الخميس 12 رجب 1423 هـ الموافق 19 سبتمبر 2002 وقفت طويلا امام كلمة استاذي الدكتور ماجد عرسان الكيلاني التي سطرها في اصداره المتميز «رسالة مفتوحة الى الفتاة المسلمة» اتأمل ظلال احدى العبارات التي وردت في ذلك الكتيب المهم، والتي اكدت ما استقر في الذهن والخاطر من ضرورة الارتقاء بالموقف الفكري من مستوى التلقي والاستماع الى مستوى الاضافة وتفعيل المعلومات في اتجاه الارتقاء بحياة الافراد والجماعات. ولقد احترف كثير من المثقفين موقف النقل المجرد والتكرار لمجمل ما قرأوه وتعلموه، دون ان يعبروا عن مواقف علمية مسئولة تجاه تلك المعلومات التي تكدست في عقولهم، ورأوا ان مجرد اطلاعهم على ما كتبه سواهم يكفي ليؤهلهم لاستلام مهامهم العلمية بنجاح واقتدار!! وهو فهم قاصر، وموقف ينم عن تواضع في الرؤية تجاه ضرورة القيام بالادوار المفصلية التي ينتظر من المثقف ان يقوم بها، لانها اولا واخيراً تقع في دائرة مسئولياته العلمية سواء شاء ذلك ام أبى!! والعبارة التي اود نقلها من كتيب الدكتور ماجد الكيلاني تلخص هذه الاشكالية التي اوقع المثقف فيها نفسه، والعالم فيها امته بقصد او بدون قصد، تقول: ان ازمة المثقف والمفكر والعالم والفقيه في الاقطار العربية والاسلامية المعاصرة هي ان الواحد منهم مازال حبيس التلقين، وانه لم يتيقن من مستويات القراءة الا قراءة النصوص المكتوبة، وانه عاجز عن قراءة الاحداث والتيارات الجارية، عاجز عن قراءة آيات الله في الآفاق والانفس وهو في ازمته هذه مازال يخلط بين «التنظير العلمي» و«اللغو الكلامي» فالتنظير تحليل للواقع، وتشخيص يجلي المشكلات ويؤدي الى العلاج وخطة العمل اما «لغو الكلام» فهو انفعالات وردود افعال وترديد لما يسمعه الانسان العربي معاصراً طالبا على مقعد الدرس، وما تلقيه اليه اجهزة الاعلام ان كان مواطنا، وما ينحدر اليه من الماضي ان كان مثقفا او متعلماً. فهو متسول ثقافة، مستهلك افكار ومقولات تقدم له جاهزة معلبة ثم يجترها في دفتر الدرس او الصحيفة او الكتاب او المحاضرة او الحديث التلفزيوني. ان اهمية هذه الكلمات المركزة التي يطرحها الدكتور ماجد هي انه تحدث عن البدائية في مستوى التعامل مع المعرفة، والرضا بالموقف التلقيني السطحي الذي يعجز عن مواجهة النص واختباره، والاكتفاء باجترار المعلومة، وكأن عقل هذا الدارس جهاز استقبال وارسال له موجات محددة، وترددات ثابتة وكل وظيفته ازاء ما يلقى على مسامعه ان يردد في كل مكان ما التقطته الأذن. كما ان هذا النوع من الجهد يعبر عن القصور في القيام بمهمات اخرى اكثر عمقا وفائدة تجاه كمية المعلومات التي حصل عليها مثل هؤلاء المشتغلين بنوع من انواع المعرفة. ومن اجل اعادة تجديد العلاقة الفاترة بين الجمهور والثقافة فان الحاجة الى المثقفين التقليديين تغدو في اضعف درجاتها، بل وتتلاشى في كثير من الحالات. وذلك لان النهوض بالحركة الثقافية يحتاج الى روّاد وليس الى مستهلكين للثقافة، وطبيعة هذه الريادة تتطلب نوعا من التفكير في طريقة تقديم الثقافة، وإعادة تدويرها على نحو يجعلها شيئاً مستساغاً قابلاً للتفاعل والتنفيذ على ارض الواقع. وتلك مهمة عقلية، ووظيفة متقدمة للمثقف المعاصر تراخت عنها ادمغة عديدة لانها وببساطة شديدة لا تجيد هذا النوع من التعاطي مع المسائل الثقافية، ولانها فوق ذلك جعلت اكبر اهدافها ان تخضع المعرفة اكثر من ان تتصالح مع مطالب النهوض بها. وكلما عجز المثقف والباحث والدارس لأنواع المعرفة الانسانية عن ترويض عقله وتدريبه على مهمات الدور الجديد كلما ابتعد اميالاً عن النجاح في مهمته التي اصبحت كما قال الدكتور ماجد محصورة في كلمات يكررها، مصدرها الوحيد انها من كلام قديم، او مستورد، دون ان يميز بين ما يستحق الاعتماد عليه والوثوق به وتقديمه للناس كجهد عقلي يستحق الاحترام، وبين ما هو تقليدي او ضعيف مما لا يرتقي الى ذلك المستوى الرفيع. ناهيك عن الخلط بين المقدّس وغير المقدس، وتلك معضلات تستحق المزيد من البحث والنظر. الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |