من عرف النخيل كمعرفة جيل استظل بظلهِ مساء، وأكل من ثمره فكان حلواه، او افترش خوصه حصيرا وبنى من جريده مسكنه وشد بالشاطيء سفينته الصغيرة، عرف غربته الحقيقية، عرف غربة النخيل كلما مر به وقد اقتلع من مكانه من الحقول في السهول وزرع على رصيف حجري لم يعتده تحيط به المباني الشاهقة اينما تلفت النخيل رآها وكأنها تشير اليه تمنعه العودة الى حقوله التي هُجرَ منها فرأى نفسه غريبا على المكان والزمان والناس، فأكثر هؤلاء الناس لا صلة بينهم وبينه لا يعرفونه بل قد لا يعرفون حتى طعم ثماره، ذلك الثمر الذي هو على خلاف أكثر ثمار الاشجار له عدة اشكال وانواع وحالات يؤكل في جميعها فيكون له في كل حالة مذاق وطعم خاص ولون، يؤكل طَلْعا لذيذا ابيض وهو حب صغير وبذور نقية، ويؤكل خلالاً اخضر يمتزج بين الحلاوة والمرارة، ويؤكل بسراً كالسكر ويؤكل رطبا جنيا حلوا له الوان الصفرة والحمرة، ويؤكل تمراً له سواد العنبر وشقرة الذهب، وهو بين ذلك ذو الوان وانواع واسماء واحجام لا تعد ولا تحصى لا يعرفها الا كُلُ من ذاق غربته وتألم لتهجيره من الحقول الى الارصفة الجامدة المتحجرة فقال: بي غربةٌ كغربةِ النخيلِ يموجُ في ذا الشارع الطويلِ يموج كالمهاجرِ المُعنّى يشتاقُ للشموسِ في السهولِ يقتُلهُ الإسْمنتُ حينَ يَعلو فيا لَهُ من صامتٍ قتيلِ تَمُرهُ الطيورُ حينَ تَغْدو تسأله عن هاجسِ الرحيلِ يُجيبها النخيلُ وهو شاكٍ وكيفَ بالرحيلِ كيف قولي وكُلُنا النخيلُ حين يشكو نتوقُ للرحيلِ والمقيلِ إلى المقيلِ في ظِلال غضٍ مِنَ الرياضِ وارفٍ ظليلِ الكُل في ظلالهِ سواءٌ يحنو على القبيحِ والجميلِ يشبِهُنا النخيلُ وهو يبكي لكنهُ كالضاحِكِ الخجولِ مكابرٌ يموجُ في شموخٍ ورجلُهُ في الطينِ والوحولِ يا ويحهُ النخيلُ في بهاءٍ مكابِرٌ بقلبِهِ العليلِ ـــــ يا ويحنا كأننا المعاني بلا كلامٍ مورقِ الفصولِ يا ويحَنا كأننا الحيارى بل إننا السرى بلا دليلِ كأننا الحمامُ في الفيافي لكنهُ يشدو بلا هديلِ كأننا الكتاب لا حروفٌ أو فكرةٌ بدفترٍ مبلولِ من للحروفِ من لكُل قلْبٍ يملؤهُ بخُضرةِ الحقولِ من يملؤ النفوس بالاماني مخضَرةَ الاطرافِ والذيولِ من يزرعُ النخيلَ في فضاءٍ يَموجُ بالمُعَطّرِ البليلِ بالريحِ بالسروحِ في البوادي بالشدو بالغناء بالصهيلِ من يُرجعُ الحياةَ في نفوسٍ تَغَربَتْ كغربةِ النخيلِ