الاحتفالات المهيبة التي أقامتها الولايات المتحدة في الذكرى الأولى لاعتداءات الحادي عشر من سبتمبر 2001، كان من الممكن ان تكون أكثر شمولاً وأدق تعبيراً بانضمام العالم كله اليها، لولا ان ادارة الرئيس جورج بوش أرادتها فقط مناسبة لتأكيد جبروت القوة العسكرية الأميركية التي لا تقاوم، والحديث التهديدي عن حروب المستقبل التي ستكون بلا نهاية. من الواضح ان الادارة الأميركية بدت غير مهتمة، لا بمشاعر العالم أو تعاطفه، ولا حتى بآراء المفكرين والكتّاب المتميزين وآلاف المثقفين الاميركيين الذين أبدوا قلقهم من هذا الاندفاع الأعمى نحو الحرب، ودعوا الى اعادة النظر في السياسات التي أدت الى تسعير موجة الكراهية ضد الولايات المتحدة. لا أحد تراوده أية شكوك حول القدرات العسكرية للولايات المتحدة، وربما تكون هذه المسألة بالذات أحد العوامل الرئيسية في اثارة غيظ القيادة الأميركية وفقدانها صوابها، إذ في الوقت الذي تستطيع القوة العسكرية الأميركية مواجهة أية قوة اخرى في العالم والانتصار عليها، بفضل تفوقها الساحق في مختلف الأسلحة التقليدية وغير التقليدية، جرى تحديها في عقر دارها وتوجيه لطمة قاسية الى رمزها الأول: البنتاغون، من غير ان تكون قادرة على الرد الموازي. وهذا يعود الى فقدان عامل «المماثلة» حيث لا يظهر من مصدر الاعتداء سوى توصيفه العام: الارهاب. وأفغانستان لم تكن المكان المناسب الذي تستطيع القوة العسكرية الاميركية ان تقدم نفسها فيه وتثبت جدارتها، فهذا أمر واضح ومحسوم سلفاً. ومن الثابت حتى الآن ان معظم الذين سقطوا في أفغانستان بفعل الغارات الجوية الأميركية كانوا من المدنيين. ونتيجة لذلك ليس ثمة انتصار تتحدث عنه الادارة الأميركية سوى اسقاط نظام «طالبان»، غير المتماسك، وتفتيت القوة الرئيسية لتنظيم «القاعدة»، مع الاحتفاظ بحسرة مكبوتة سببها تعذر اعتقال اسامة بن لادن وكبار مساعديه. ما يعني الاعتراف بعدم وصول الحملة العسكرية الضارية الى نهايتها المرتجاة، فضلاً عن ان الحالة الأمنية الراهنة في هذا البلد لا تشجع على الكثير من التفاؤل. حديث الحرب والهيمنة هذا الواقع، بالاضافة الى دوافع عديدة أخرى، جعلت حديث الحرب لدى الادارة الأميركية يتقدم على أي حديث آخر، متجاوزاً موضوع الارهاب الذي لا خلاف حوله، الى أهداف جديدة مضافة، يأتي الهدف العراقي في مقدمتها. من المتفق عليه ان شن حملة عسكرية على العراق يأتي في اطار حاجة الولايات المتحدة الى تحقيق انتصار عسكري بارز على دولة ذات شأن في هذا المجال، حتى ولو لم تكن قوة هذه الدولة موازية لقوة الولايات المتحدة. وذلك ارضاء للذات، ولايقاع أكبر قدر من الجزع والرعب في قلب كل من يفكر في التجرؤ، ليس فقط على أمن الولايات المتحدة وهيبتها العسكرية، وإنما ايضاً على معاداتها، بأي شكل من الأشكال. ولكن، إذا كان هذا الجانب المعنوي يعتبر أمراً حيوياً جداً بالنسبة لكرامة قوة امبراطورية كالولايات المتحدة تقود العالم كله وتتحكم في مختلف شئونه، فإن ثمة دوافع اخرى للتوجهات الأميركية لا تقل أهمية عن ذلك، أبرزها الرغبة في تحقيق هيمنة كاملة على منطقة الشرق الأوسط وعلى المصادر النفطية في العراق والدول الخليجية المجاورة، ثم اسداء خدمة كبرى لاسرائيل بتدمير أكبر قوة عسكرية عربية في المنطقة يمكن ان تشكل خطراً على الدولة العبرية في المستقبل، أو تمنعها من تحقيق أحلامها التوسعية على الأقل، ولم يعد خافياً الدور الذي تمارسه مجموعة الضغط اليهودية في الولايات المتحدة في التأثير على موقف الرئيس جورج بوش وعلى مختلف قرارات الولايات المتحدة المتصلة بالقضية الفلسطينية والصراع العربي ـ الاسرائيلي. بين العراق وفلسطين وبقدر ما يؤشر تركيز خطاب الرئيس الأميركي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة على موضوع العراق الى تأكيد الرغبة الأميركية في مواصلة تنفيذ الخطط المعدة ضد هذا البلد العربي، فهو يخدم ايضاً هدفاً اسرائيلياً رئيسياً يتمثل بمحاولة صرف انتباه العالم عن ممارسات الدولة العبرية القمعية ضد الشعب الفلسطيني. ومن الملاحظ ان لائحة الاتهامات الطويلة ضد العراق التي تلاها الرئيس الأميركي أمام المنظمة الدولية واعتبر تنفيذ بنودها بمثابة شروط لازمة، يتمثل الجانب الرئيسي فيها بامتناع الحكومة العراقية عن تطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي والمماطلة في تنفيذ الاتفاقات المعقودة تحت اشراف الأمم المتحدة. ولو كان موقف الادارة الأميركية ينبع من حرصها على احترام الشرعية الدولية وتطبيق قوانينها من قبل مختلف الدول المنضوية تحت لواء الأمم المتحدة، لكان من واجب الرئيس جورج بوش، في الوقت نفسه، توجيه لائحة اتهام مماثلة لاسرائيل التي ضربت الرقم القياسي في تحدي الارادة الدولية وانتهاك كل قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي الخاصة بفلسطين وبأطراف الصراع العربي الاسرائيلي. خصوصاً وان الأعمال الارهابية المتواصلة ضد الشعب الفلسطيني التي ترتكبها اسرائيل يومياً، تتطلب وقفة شاملة وحازمة من الأمم المتحدة، ومن كل دول العالم المنتمية اليها، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. فالخطر العراقي على أميركا أو على دول الجوار، هو خطر مفترض في أسوأ الأحوال، بينما الخطر الاسرائيلي على سلام الشرق الأوسط وعلى أمن وسيادة الشعب الفلسطيني والدول العربية المجاورة لفلسطين هو خطر راهن وقائم فعلاً تؤكده الفظاعات التي ترتكبها الحكومة الاسرائيلية بصورة متوالية من دون ان يتحرك المجتمع الدولي أو يبدي أي اعتراض. ومن المؤسف فعلاً ان يتجاهل الرئيس الأميركي في خطابه الطويل ما يحدث حالياً في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث اكتفى بفقرة واحدة كرر فيها لازمته المعروفة حول الدولة الفلسطينية التي ينبغي ان تقوم الى جانب دولة اسرائيل. وبدلاً من أن يقول الرئيس بوش ان الشعب الفلسطيني يستحق حكومة أفضل تهتم بشئونه، كان عليه أن «ينصح» بازاحة دبابات الاحتلال الاسرائيلي عن صدر هذا الشعب حتى يستطيع ان يتنفس ويعود الى ممارسة حياته الطبيعية. فهذا ما يحتاجه الشعب الفلسطيني فعلاً. هذا الواقع يدل بوضوح على ان الادارة الأميركية لا تبدي أي اهتمام بمعالجة الحالة التي تتسبب في تكوين موجة الكراهية المتنامية ضد الولايات المتحدة، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط. وبرغم ان هذا الاستنتاج يزعج الادارة الأميركية لأنه يتعارض مع توجهاتها الراهنة ويمس تحالفها مع اسرائيل، إلا ان ذلك لم يمنع شخصيات سياسية وفكرية مرموقة في الولايات المتحدة من المجاهرة بهذه الحقيقة من خلال تحليلات موضوعية رصينة. فالاستنتاج الذي توصل اليه زبيفنيو بريزنسكي (مستشار الأمن القومي في ادارة الرئيس السابق جيمي كارتر) يؤكد ان سياسية أميركا في الشرق الأوسط هي الدافع الرئيسي للحقد الموجه الى الولايات المتحدة. وفيما يتعلق بموضوع الارهاب تواجه خطر استغلال قوى دولية اخرى لكلمة ارهاب خدمة لأهدافها الخاصة، وهو ما يفعله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون، ورئيس وزراء الهند اتال فاجبايي، والرئيس الصيني جيانغ زيمين، فقد وجد كل من هؤلاء ان تعريف أميركا للارهاب ملائم ومفيد لأغراضه. ويعرب بريزنسكي عن اعتقاده بأن امتناع أميركا عن التركيز على الجذور السياسية للمجزرة الارهابية التي ارتكبت في 11 سبتمبر سيحول دون معالجة مشكلة الارهاب في صورة جذرية». كذلك يصل الكاتب والمؤرخ الأميركي المعروف نعوم تشومسكي الى الخلاصة ذاتها، عندما يلاحظ ان «حملة الكراهية في العالم العربي ضد الادارة الأميركية إنما تحركها سياسات الولايات المتحدة نحو اسرائيل وفلسطين والعراق، حيث وفّرت واشنطن الدعم الحاسم للاحتلال العسكري الاسرائيلي القاسي الذي هو الآن في عامه الخامس والثلاثين». ويقول تشومسكي ان «وصفة الحرب بلا نهاية (وفقاً لتصريحات الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني) تشكل خطراً على الأميركيين أكبر بكثير من الأعداء المتصورين». ويضيف موضحاً: «إذا عالجنا جذور حملات الكراهية، فلن نستطيع تقليص التهديدات التي نواجهها فحسب، وإنما الارتقاء ايضاً الى مستوى المثل العليا التي ننادي بها والتي ليست خارج متناول أيدينا إذا اخترنا أخذها على محمل الجد». بوش والشراكة مع اسرائيل طبعاً، هذا الفهم العميق لواقع الصراع الحالي في العالم لا يدخل، كما هو واضح، ضمن اهتمامات الرئيس جورج بوش. ومع ان البعض حاول تفسير قبوله اشراك الأمم المتحدة في بحث الموضوع العراقي باعتباره تصرفاً ايجابياً، لكن التحليلات الموضوعية لهذه الحركة السياسية تظهر ان خطاب الرئيس الأميركي أمام المنظمة الدولية لم يعكس أي تطور ايجابي في موقف ادارته، بل على العكس من ذلك، فقد تعمد احراج الرئيس العراقي صدام حسين بمجموعة شروط متلازمة من المتعذر تلبيتها. ما يعني سد طريق التفاهم مسبقاً بين الأمم المتحدة والقيادة العراقية، وهو ما يدعو لاحقاً الى اطلاق يد الادارة الأميركية في التصرف، أي متابعة تنفيذ حملتها العسكرية التي يتواصل إعداد كل وسائلها ومستلزماتها. إن مرور العملية الاميركية عبر الأمم المتحدة لن يكون له أثر سلبي على خطط ادارة الرئيس بوش، بل على العكس من ذلك فإن هذا سيؤدي الى اضعاف الجبهة المناوئة لحربها الانفرادية حيث ستجد بعض الدول المترددة مخرجاً لتراجعها، بحيث تجد نفسها في صف الولايات المتحدة، حتى ولو لم تشارك عملياً في العمليات العسكرية. وهذا ينطبق، بخاصة، على معظم الدول الاوروبية. ولعل التحوّل الذي طرأ على الموقف الفرنسي بالذات يعطي مؤشراً واضحاً حول مسار الأحداث في المرحلة المقبلة. وفضلاً عن ذلك فإن هذا التطور قد يؤدي الى اضعاف المعارضة التي برزت داخل الولايات المتحدة نفسها ضد القيام بعمل عسكري منفرد يستهدف العراق. ومن بين أبرز المعارضين بعض أركان الادارة الاميركية السابقة ومسئولون آخرون على مستويات مختلفة. وكان وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر نصح بالعمل على تشكيل تحالف دولي يخوض الحرب الى جانب الولايات المتحدة على غرار التحالف الذي تم تشكيله عام 1991. ومع ان الرئيس جورج بوش لم يعر هذه المسألة اهتماماً كبيراً، إلا ان تحركه الآن من خلال الأمم المتحدة سيحقق له فوائد اضافية من دون ان يكون مضطراً لتغيير خططه العسكرية المهيأة. وهكذا.. فإن اسرائيل عندما تصبح شريكة فعلية في القرار الاستراتيجي الأميركي، قرار الحرب والسلم، فهذا يعني ان العالم كله، وليس منطقة الشرق الأوسط وحدها، يتجه نحو كارثة حقيقية. ومن الحقائق المعروفة ان الدولة العبرية استفادت، وتستفيد دائماً، من كوارث الآخرين. ـ كاتب لبناني مقيم في باريس