صاح رجال الأمن في باكستان: «انه اختراق أمني كبير». وتجاوب رجال الأمن في أميركا: «إنه صيد ثمين». وقال موقع «جهاد أون لاين» انه انجاز مزيف. أما أنا وأنت وغيرنا من الناس العاديين فلن نعرف يقيناً ما إذا كان ذلك الشخص الذي اعتقلته أجهزة الأمن الباكستانية قبل بضعة أيام وتهيأت الاجهزة الأمنية الاميركية لاستلامه هو فعلاً رمزي بن الشيبة، تلك الشخصية الخطيرة جداً، والذي يقال انه منسق عمليات سبتمبر من العام الماضي في الولايات المتحدة باعتباره من أعلى قيادات تنظيم «القاعدة». سنعرف حقيقة الأمر فقط إذا قدم ابن الشيبة الى محاكمة مدنية يتوفر فيها شرطا العدالة والعلنية. وليت شعري كم من المسلمين قبض عليهم داخل الأراضي الأميركية وخارجها واعتقلوا لأجل غير مسمى لمجرد شبهة «على صلة بتنظيم القاعدة» دون ان يقدموا الى القضاء ليفصل في قضية كل واحد منهم على حدة تبرئة أو ادانة! منذ وقوع تفجيرات سبتمبر من العام الماضي لا يكاد يمر يوم حتى الآن بعد أكثر من سنة على تلك الأحداث دون ان نسمع باعتقال شخص مسلم في مدينة أميركية أو مطار أوروبي أو داخل مسكنه في موطنه أو في أي بلد اسلامي آخر. لكننا بعد ذلك لا نسمع شيئاً عن الشخص المعتقل، فالاجراءات القانونية تتجمد عند هذه المرحلة الابتدائية لأن الاجهزة المعنية الأمنية لا تملك من الأدلة ما يدفعها لتقديمه الى القضاء. فور وقوع التفجيرات وما بعدها بقليل أسفرت حمى المداهمات البوليسية في الولايات المتحدة عن اعتقال أكثر من ألف عربي ومسلم لمدى شهور متصلة. ثم أطلق سراح نحو نصف العدد ليواجهوا بعد ذلك أمراً بالترحيل خارج الأراضي الأميركية دون ان يقدموا لمحاكمة. ولأن سلطات الأمن الأميركية كانت تدرك ان أمر الابعاد لم يكن يستند الى أساس العدالة، فإن الاجراء أحيط بستار كثيف من السرية حتى تسرب رويداً الى الوسائل الإعلامية، وحتى هذه اللحظة ترفض وزارة العدل الأميركية مجرد نشر أسماء المشتبه بهم سواء الذين أطلق سراحهم أو الذين مازالوا قيد الاعتقال. وإذا جاز أن يكون هناك تفاضل بين الشرور فإن أولئك العرب والمسلمين المعتقلين في سجون داخل الولايات المتحدة يجب ان يعتبروا أنفسهم أفضل حالاً نسبياً من اخوانهم المحتجزين في معسكر جزيرة غوانتانامو البالغ عددهم نحو ستمئة شخص نقلوا من أفغانستان قبل عدة شهور. هؤلاء قد يبقون في معتقلهم الرهيب سنين طويلة دون أن توجه اليهم تهم أو يسمح لهم بتوكيل محامين وفقاً لما يقول قائد المعسكر. من بين المئات العديدة من المعتقلين داخل الأراضي الأميركية لم تقدم سلطات النيابة الأميركية الى القضاء سوى شخصين، أحدهما بتهمة القتال في صف «طالبان» الافغانية والآخر بتهمة الضلوع في تدبير تفجيرات سبتمبر. لماذا هذا الاستثناء؟ لأن كلاً منهما من رعايا دولة غير اسلامية، فالشاب جون ليند مواطن أميركي أنجلوساكسوني، أما الآخر زكريا الموسوي ذو الأصل المغربي، فهو يحمل الجنسية الفرنسية. إذن فإن مشكلة المئات الباقين من المعتقلين العرب والمسلمين ليست تعسف السلطات الأميركية بقدر ما هي تقاعس حكوماتهم الاسلامية. والحال يغني عن السؤال، وإذا كانت الاجهزة الأمنية التابعة للحكومات الاسلامية هي التي تتعاون مع الاجهزة الامنية الأميركية في اعتقال المشتبه بهم.. وفي تسليم من يعتقل منهم خارج الولايات المتحدة حتى دون وجود اتفاق تبادل مجرمين، فكيف يمكن ان نتوقع من هذه الحكومات ان تسعى سعياً جاداً للمطالبة بالحقوق القانونية للمعتقلين من مواطنيها؟ وبالطبع، لا نستطيع ان نجزم بأن هؤلاء المعتقلين سوف تبرأ ساحة كل منهم إذا ما قدموا الى محاكمات نزيهة وعلنية، ولكن عزوف السلطات الأمنية سواء في الولايات المتحدة أو الدول الاسلامية عن رفع الأمر الى القضاء يحمل على الاعتقاد شبه الجازم بأنه لا توجد أدلة دامغة يمكن ان تدين أياً منهم. ويبدو ان الجماهير في البلدان الاسلامية موعودة بأن تسمع كل يوم والى أجل غير مسمى عن عملية اعتقال مسلم أو مسلمين بشبهة «على صلة بتنظيم القاعدة» في اطار ضجة إعلامية استخباراتية تسجل «انتصاراً» للأجهزة الأمنية وادانة تلقائية للمعتقلين حتى قبل مباشرة التحري الأولى معهم ودون ان يمثلوا أمام قاض.. وهذا هو الارهاب الحقيقي.