السياسة العربية هذه الأيام أصبحت أشبه بمسرح العبث.. يذبح الأعداء إخواننا في فلسطين فنرد عليهم بالمبادرة السلمية ومشروعات الاستثمار المشترك!! يقدمون خططا لتصفية قضايانا فنسارع بجلب المناظير المكبرة لاكتشاف «الإيجابيات» في تلك الخطط!! نسمع تصريحات لمسئول فلا ندري إن كان يتحدث بلسان عربي أم إسرائيلي أم أميركي ونقرأ بعض الصحف فلا ندري إن كانت عربية أم عبرية! وقد تعودنا مثلا أن نسمع إدانة الانتفاضة والعمليات الاستشهادية والعسكرية الفلسطينية من أفواه المسئولين الإسرائيليين والأميركيين وبعض الأوروبيين .. أما أن تصدر تلك الإدانة عن مسئول عربي فهذا هو العبث حقا وأما أن يكون هذا «المسئول» فلسطينيا، وأن تتكرر هذه الإدانة على لسانه عدة مرات خلال أيام قليلة ـ فيما يتخذ شكل الحملة ـ فهذا هو الإمعان في العبث إلى أبعد من حدود المسخرة. وزير الداخلية الفلسطيني عبد الرزاق اليحيى ضاقت عليه الأرض بما رحبت، فلم يجد منبرا لإطلاق حملة شعواء ضد الانتفاضة والعمليات الاستشهادية أنسب من صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية المعروفة بمواقفها اليمينية المتطرفة (صحف 31 أغسطس). ثم توالت تصريحاته في هذا الصدد لوسائل إعلامية أخرى أهمها وكالة «رويترز» (صحف 3 سبتمبر). وتبنى اليحيى في تصريحاته الأوصاف الإسرائيلية للعمليات الاستشهادية بأنها «إنتحارية» وأنها «قتل بدون سبب». زاعما أيضا أنها «ضد التقاليد الفلسطينية والقانون الدولي»!! واتهم الفصائل الفلسطينية ـ التي يقوم مناضلوها بالعمليات الاستشهادية. بأنها تستغل الأطفال في القيام بهذه الهجمات!! نعم.. هذه الكلمات ليست لسياسي إسرائيل أو أميركي، وإنما لوزير فلسطيني! والمثير للسخرية أن السيد اليحيى ـ الذي قضى العقود الأخيرة من عمره آمنا مطمئنا في الأردن بينما كان الفلسطينيون المناضلون في الداخل والشتات يحملون أرواحهم على أكفهم، ويواجهون الموت كل يوم ـ هو الذي يعلم هؤلاء المناضلين «التقاليد الفلسطينية» زاعما أن هذه التقالييد تتناقض مع شرف الاستشهاد دفاعا عن الوطن وحريته!! ولا ندرى هل يجهل الوزير أو يتناسي أن «تقاليد» الاستشهاد هي من أعرق تقاليد الشعب الفلسطيني منذ بدء الهجمة الصهيونية على أرضه ؟؟ ويدعي اليحيى أن المنظمات المقاتلة «تستغل الأطفال في هذه الهجمات» مسيئا لأرواح الشهداء وتضحياتهم أبلغ الإساءة فالشباب الذين يقومون بالعمليات العسكرية والاستشهادية ليسوا أطفالا يخدعهم كبار لا قلب لهم ويرسلونهم إلى الموت(!) وانما هم زينة شباب الفلسطينيين والعرب الذين يضحون بحياتهم دفاعا عن حياة وكرامة وحرية شعبهم ووطنهم. وأعمار أغلبهم تدور حول العشرين وتتجاوزها. وهذه هي سن الخدمة الوطنية والتجنيد الإجباري في معظم الدول المتحضرة. وهو أمر لا يجهله، بالطبع، سيادة الوزير. فهل تخدع كل الدول «أطفالها» وترسلهم إلى ميادين القتال؟ أم أن هذه هي سن عنفوان الشباب والقدرة على القتال والتضحية؟ وهل بوسع أحد أن يخدع عشرات وعشرات من الشباب و«يستغلهم» لكي يذهبوا لملاقاة الموت؟! الواقع أن الذين لا يفهمون هم وحدهم الذين يستطيعون أن ينكروا على هذا النحو الذليل. وكم كانت وفاء إدريس وآيات الآخرس أكثر رجولة وشهامة من مسئولين كثيرين يعتلون المنابر ويدلون بالتصريحات التافهة لصحف العدو! أما عن «القتل بدون سبب» و«انتهاك القانون الدولي» فواضح أن اليحيى لم يسمع بأن كافة القوانين والمواثيق الدولية تعترف للشعوب بحق المقاومة في حالة احتلال أراضيها، وتضمن حقوق المقاتلين في صفوف المقاومة.. وإذا كان الوزير لا يرى أن الاحتلال يمثل «سببا» كافيا للمقاومة.. وإذا كان لا يرى في الجرائم الهمجية التي يرتكبها العدو الصهيوني كل لحظة ضد الشعب الفلسطيني «سببا» كافيا للعمليات العسكرية والاستشهادية.. وإذا كانت الدماء الفلسطينية الغزيرة التي تراق كل يوم ليست «سببا» كافيا في رأيه لتلك العمليات. فليس هناك ما يمكن أن يقال لجعله يرى أو يفهم. ماذا يريد اليحيى؟ كيف إذن يريد اليحيى أن يواجه الفلسطينيون الاحتلال وجرائمه؟ يقول وزير الداخلية: «بالعودة إلى الكفاح المشروع ضد الإحتلال، من دون عنف»! «ولا حتى باستخدام الحجارة»!! آه.. هنا مربط الفرس!! المقاومة غير مشروعة.. ولو كانت بالحجارة!! فما الذي يتبقى للفلسطينيين؟ لا شئ غير الاستجداء كأسلوب «للكفاح»!! والمظاهرات الصامتة بأفواه مكمومة بشرائط البلاستر.. إذا سمحت إسرائيل! ترى هل كان فلسطينيو أرض الـ 48 يرفعون السلاح حينما خرجوا يتظاهرون احتجاجا على تدنيس شارون للحرم القدسي، فقتلت القوات الإسرائيلية 13 منهم في بداية الإنتفاضة؟! وهل كان المصلون في الحرم الإبراهيمي يرفعون السلاح حينما قتل السفاح جولد شتاين 29 منهم ؟! وهل كان كل ضحايا المذابح الصهيونية مسلحين بالدبابات أو حتى بالرشاشات حينما كانت القوات الإسرائيلية تغتالهم بدم بارد وتقصف بيوتهم بقذائف الطائرات والدبابات، وتهدمها فوق رؤوسهم؟! الواقع أن أفكار اليحيى ونصائحه لم تكن لتستحق عناء المناقشة لو انها جاءت في مقال لصحفي أو حديث «لمفكر» من الذين ابتليت بهم أمتنا والذين لا يستحون من الحديث عن ضرورة نبذ «العنف» و«ثقافة العنف» بينما تواصل إسرائيل مجازرها اليومية. لكن خطورة تصريحات اليحيى ترجع إلى كونه وزير داخلية السلطة الفلسطينية.. والرجل الذي هبط ( بالباراشوت) على هذه السلطة ليقود ما يسمى «بالإصلاح الأمني».. والذي أبرم مع بن اليعازر اتفاق غزة وبيت لحم أولا.. وهو اتفاق لا يعطي للفلسطينيين شيئا سوى السراب، مقابل الإلتزام بضمان أمن الاحتلال، وتصفية المقاومة. والحملة التي أطلقها اليحيى على صفحات «يديعوت أحرونوت» والتي يواصلها دليل جديد على خطأ استنتاجات أولئك الذين تصوروا أن التغيير الوزاري الذي أجراه عرفات لم يكن سوى تغيير شكلي، وأن «الإصلاح الأمني» لايزال في خطواته الأولى.. الخ. فاليمين الفلسطيني تتزايد قوته في قمة السلطة مع اضعاف عرفات وتهميشه ومواصلة حصاره. وتصريحات اليحيى نذير بإتجاه هذا اليمين نحو الاستشراس في مواجهة فصائل المقاومة، ومستقويا بالعدوان الإسرائيلي وتزايد الضغوط الأميركية على الشعب الفلسطيني وسلطته المحاصرة التي تزداد ضعفا كل يوم. وتنسجم هذه التصريحات الخطيرة مع روح «الإصلاح الأمني» وفقا للمفهوم الإسرائيلي والأميركي، ومع جوهر اتفاق غزة وبيت لحم أولا، وفقا لمفهومه الإسرائيلي الذي يفرض على السلطة ضمان أمن الاحتلال مقابل فتات تافه قد يقدم بالتقسيط المريح، أو لا تقدم على ضوء «حسن سلوك» السلطة في ضرب المقاومة، وتزايد نفوذ و(فاعلية) الإتجاه اليميني الذي يعبر عنه أمثال اليحيى. وإذن فإن تصريحات وزير الداخلية (الفلسطيني) لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد «كلام» أو وجهة نظر تخصه. إنها مقدمة واضحة لحملة مقبلة على فصائل المقاومة يمكن أن تؤدي إلى اقتتال فلسطيني يفرضه اليمين المستعد لتصفية القضية والقبول بأي فتات يقدمه العدو. فشارون ـ كما يعلن دائما ـ ليس مستعدا للحديث عن أي شئ إلا مع أولئك الفلسطينيين الذين يفهمون أنهم لن يستطيعوا أن يأخذوا شيئا عن طريق القوة!! أي مع أولئك المستعدين للإستسلام دون قيد أو شرط!! وها هو عبد الرزاق اليحيى يقدم أوراق اعتماده. ـ كاتب مصري