لكل انسان متعته الخاصة في الحياة، ومتعتي الشخصية هي القراءة، لكنها تحولت للأسف إلى عذاب يتكرر كل لحظة يومياً، ففي كل يوم اعود إلى المنزل ومعي حزمة من الصحف والمجلات والمقالات المتنوعة، التي ينبغي قراءتها جميعاً، ليس فقط باعتبار القراءة هي العمود الفقري لمهنة الصحافة، ولكن أيضاً لأنني أزعم انني قارئ مدمن لأقصى درجات الادمان. لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، وتحول الامر بالنسبة لي إلى مشكلة حقيقية ونفسية تؤرقني ليل نهار، ولا أعرف لها حلاً، ومستعد لأن أدفع كل ما أملك لمن يرشدني إلى الحل الصحيح. يومياً يجد المرء نفسه محملاً في آخر النهار أو الليل بخمس أو ست صحف يومية ومجلة على الاقل، حجم كل صحيفة لا يقل عن 50 صفحة وقد يصل إلى المئة، ومجلة تصل صفحاتها احياناً إلى مئة أو مئة وخمسين صفحة، ثم جاء الاختراع الجهنمي المسمى بالانترنت ليزيد الطين بلة، لأن كل الصحف العربية من موريتانيا إلى البحرين متاحة أمامك «بكبسة زر» وإذا كانت الاهتمامات اكثر اتساعاً فأمامك كل صحف العالم من السويد إلى جنوب افريقيا ومن استراليا إلى تشيلي، ناهيك عن المواقع الاخبارية المتخصصة. وبما ان القراءة لا تقتصر على الصحف والمجلات فقط، بل هي في الأساس تعتمد على الكتاب تصبح المشكلة اكثر تعقيداً، خاصة إذا كانت اهتمامات المرء متنوعة بمعنى انه يريد القراءة في السياسة والاقتصاد والآداب والفن والسير الذاتية والكتب المترجمة. في الماضي البعيد وعندما كنا طلاباً صغاراً كان في الوقت متسع، وكان يمكن للمرء قراءة كتاب كل يوم اضافة للصحف المصرية الثلاث، لكن في ذلك الوقت لم يكن متاحاً للمرء القنوات الفضائية أو الانترنت، بل فراغ متسع من الوقت، بمعنى، انه ليس أمامه سوى الاكل والقراءة. الآن وفي عصر العولمة تغير كل شيء ليصبح معقداً، خاصة لمن يعيش في المدينة، أي مدينة، سواء كانت نيويورك أو القاهرة أو دبي، الآن انت مطالب بالعمل ثماني ساعات على الاقل، والنوم ست أو ثماني ساعات، وإذا كانت مواصلاتك تستغرق منك ساعتين يومياً، فلم يعد أمامك سوى أقل من ثماني ساعات للأكل وملاطفة الاطفال وتنفيذ كل متطلبات المنزل التموينية والانسانية، بمعنى آخر إذا تبقى لك وقت للقراءة، فلن يزيد على ساعة يومياً أو ساعتين إذا كنت من هواة القراءة في دورات المياه وفي المسافة من المنزل للعمل إذا كنت لا تجيد قيادة السيارات مثلي. وبحسبة بسيطة اكتشفت انه لكي يقرأ الشخص كل ما يشغله مثلي فهو يحتاج إلى ان يكون اليوم 48 ساعة وليس 24ساعة كما هو الآن، وإلا فالبديل هو ما يحدث يومياً، تحمل الصحف والكتب إلى المنزل ثم تقرأ القليل ويأتي يوم جديد فتتكدس الاوراق أمامك في كل أرجاء المنزل، وفي نهاية الأسبوع تبدأ الزوجة في الشكوى المريرة، فتضطر إلى سياسة الانتقاء، أولاً تلقي بجزء من المتكدسات في سلات القمامة، وتكتشف ان المشكلة لم تحل، بعدها تبدأ في قص بعض الصفحات التي تعتقد انها اكثر أهمية.. لكن ذلك لا يحل المشكلة، فتلجأ حينئذ الى انتقاء القصاصات الاكثر اهمية والقاء ما تبقى في القمامة، لكنك تشعر بأنك القيت بجزء غال إلى نفسك، ولن تعوضه ابداً مهما فعلت. لفترة طويلة ظننت انني الوحيد الذي يعاني من هذه المشكلة «العويصة» لكنني عندما اكتشفت ان كل زملائي وأصدقائي المحبين للقراءة يعانون المشكلة نفسها استراح بالي قليلاً وعندما قرأت للكاتب المتميز جميل مطر يشكو من المشكلة نفسها قلت في نفسي ان الأمر أكبر مني ويبدو انها احدى المشاكل التي توحد العرب من المحيط إلى الخليج. هل هناك حل لهذا الامر الذي يؤرق كل قارئ ؟! للأسف لا يوجد ذلك، لكن ربما هناك علاج جزئي أو نصيحة لكل من يعاني هذا الأمر، وهو ضرورة قراءة ما تعتقد انه مهم للغاية فوراً، ولا تفكر أبداً في تأجيله، لأن التأجيل ببساطة يعني أنك لن تقرأة أبداً طبقاً لخبرتي المتواضعة. أحياناً أحسد من لا يقرأ أبداً، لأنه في راحة بال حقيقية ولا يشعر بأي شيء لأنه ببساطة لا توجد مشكلة لكنني أعود فأقول ان متعة قراءة كتاب جديد أو مقال لكاتب تحبه شيء لا يمكن مقارنته بكل أموال الدنيا أو متعها الظاهرة.