قامت هذه الأيام وبالتوازي كل من مجلة «كوريي أوروبيان» ذات التوجه الأوروبي ووكالة الانباء المستقلة وورلدنيوز باستطلاع رأي مجموعات عشوائية، من المواطنين والمواطنات في فرنسا وألمانيا وبلجيكا وأسبانيا والسويد لمعرفة ردود فعل مختلف شرائح المجتمعات الاوروبية ازاء ما يهدد منطقة الشرق الاوسط من اخطار قد تنتج عن اقدام القوات الاميركية على شن حرب ضد العراق. وجاء الخطاب الذي ألقاه الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش يوم الخميس الماضي على منبر منظمة الامم المتحدة ليؤكد هشاشة البراهين المقدمة على ان هذا الرأي العام الأوروبي اقرب للمنطق السياسي اي الربط بين الاسباب والمسببات في قضية مصيرية كهذه تمس كل قارات العالم وحضاراته ومصالحه. وبالطبع فإن استطلاع الرأي الأوروبي مهم جدا لانه يسبر اغوار مجتمعات وسيطة تقع سياسيا وثقافيا وايديولوجيا ما بين الرأي العام الاميركي المعبأ اعلاميا ودعائيا والمشحون منذ تاريخ 11 سبتمبر 2001 بطاقات الغضب والألم لما جرى في ذلك العدوان، وبين الرأي العام العربي الذي يشعر بحجم الظلم المسلط على شعب فلسطين وهو يضرب يوميا على ايدي شارون ويستشهد أبرياؤه وتهدم بيوته وتجرف أراضيه الزراعية ويغتال شبابه بمباركة اميركية وقحة. ولم تكن عمليات استطلاع الرأي هذه من الصنف التقليدي المخادع الذي يطرح سؤالا يستدعي احد جوابين اما بنعم او بلا.. بل تعمقت الاسئلة في صلب وجوهر موضوع الصراع كأن يجيب المستبانون على سؤال يتعلق بالسبب الاول والاصلي لتهديد اميركا بضرب العراق فتكون النتائج كالتالي: 68% يرجعون السبب الى عمليات 11 سبتمبر 2001 و18% الى احتلال الكويت و14% الى امتلاك العراق لاسلحة نووية وكيميائية. وهنا نلاحظ ان اغلبية واسعة من الرأي العام الأوروبي تقع ضحية الحملات الاعلامية المنظمة للربط بين عمليات 11 سبتمبر والنظام العراقي بينما في الواقع وحتى من منظور الادارة الاميركية لا يوجد جسر واضح او متين بين هذا وذاك.. كما ان نسبة مهمة 18% لا تزال تعتقد ان العراق يحتل الكويت بينما هذا السبب ايضا يظل غائبا عن براهين البيت الابيض لان احداث احتلال الكويت مضى عليها 12 عاما وقال فيها المجتمع الدولي وكذلك القانون الدولي كلمتهما وتم حسمهما ولو ببعض التوابع كقضية الاسرى والتعويضات. ويعتقد جزء من هذا الرأي العام 14% بأن السبب هو امتلاك العراق لاسلحة الدمار الشامل وهذا الجزء هو الاقرب للتبريرات الاميركية الراهنة. ويجيب الاوروبيون كذلك عن السؤال التالي: هل تؤيد ان تكون دولتك حليفة لواشنطن في حرب ضد العراق؟ فتكون الاجوبة كالتالي: 55% يجيبون بلا مع بيان الاسباب التي تقول بأنهم غير مقتنعين بالحجج التي تقدمها اميركا للعالم او بأن امن الاتحاد الاوروبي غير مهدد مباشرة بنظام عربي بعيد عنهم حتى ولو كان ديكتاتوريا او بأن موازين الدول الاوروبية لا تسمح بالتدخل العسكري في مناطق نائية لان الاولوية المالية يجب ان توجه لمقاومة البطالة وتحسين ظروف عيش الاوروبيين وتطوير اداء التأمين الصحي والاجتماعي. اما 26% فيرون بأن حكوماتهم من واجبها التحالف مع اميركا بشرط قرار اممي صادر عن المجتمع الدولي ومنظمة الامم المتحدة. وهذه النسبة التي تعتبر ربع المستبانين تمثل في الواقع انحيازا لتوجه الحكومات الاوروبية ما عدا الحكومة البريطانية التي عادة ما تكون سياستها الخارجية تابعة لواشنطن. وتعتقد نسبة 16% بأن مساهمة الدول الاوروبية يجب ان تكون فقط «لوجستية» اي مساندة فنية وتقنية دون التورط مباشرة في الحرب. بينما تعتقد نسبة 3% بأن الاتحاد الاوروبي يجب ان يحارب الى جانب اميركا وهي نسبة ضئيلة وعادة ما تنطلق من حركات اقصى اليمين التقليدي المعروف بعدائه للعرب والمسلمين. اما الاجوبة على اسئلة اخرى طريفة فإنها تكشف لنا عن مظاهر جهل واضح ببديهيات قضايا الشرق الاوسط وبكل ما يتعلق بالعالم العربي والامة الاسلامية مثل السؤال الذي يتعلق بأصل معضلات الشرق الاوسط اي القضية الفلسطينية فنسبة عالية من الرأي العام الاوروبي لا تعرف جوهر هذه المظلمة وذلك بسبب غيابنا الاعلامي كعرب ومسلمين وحضور الاعلام المعادي بكثافة ومنذ جيلين على الاقل في اروقة الرأي العام الاوروبي... فنسبة 41% ترى ان قضية فلسطين تتلخص في «حركة انفصالية فلسطينية عن اسرائيل!...» وحوالي 30% في نفس هذه النسبة تعتقد ان «جماعات اسلامية ارهابية تريد القضاء على دولة اسرائيل!!» لكن 27% يعتقدون ان شعب فلسطين يستحق دولة مستقلة تعيش الى جانب اسرائيل. ويجيب الاوروبيون كذلك عن اسئلة تتعلق بتواجد الجاليات العربية والمسلمة في المجتمعات الاوروبية فتتراوح الاجوبة بين الثقة في هذه الجاليات والتخوف منها وارادة ادماجها في ثقافة المجتمعات الاوروبية.. لكن تغلب على الاجوبة صبغة الوفاق الوطني ورسالة المدرسة في ادماج العرب في الحضارة الغربية. والعبرة التي نستخلصها من هذه الاجوبة جميعا هي ان علينا ان نساهم كعرب ومسلمين في توضيح الحقائق وتصحيح صورتنا في اذهان الاتحاد الاوروبي.. فبين العرب وأوروبا تاريخ طويل مشترك ومصالح حيوية مشتركة وحرام ان نترك الساحة فارغة ومتاحة لاعدائنا وحدهم. ـ استاذ الاعلام ـ جامعة قطر AHMED2701@HOTMAIL.COM