ذكرى أحداث الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك وواشنطن حاصرت أذهان الناس في الولايات المتحدة الأميركية، وفي أماكن أخرى من العالم، في زوايا ضيقة من الخيالات، بل من الأوهام، حول ما تعارف الأميركيون على وصفه بـ «العدو»، وحول طبيعة هذا العدو والأساليب المقررة للتعامل معه حربا أو سلما. الا أن الذكرى، خصوصا في العالمين العربي والاسلامي، فتحت أذهان الناس على مساحات واسعة من التفكير والوعي بالحقائق كشفت، في ما كشفت، أمورا ربما لم يلحظها كثيرون بين سحب الدخان الكثيف التي أشاعتها الادارة الأميركية، ومؤسساتها، واجهزة اعلامها في فضائها الداخلي أولا ثم في فضاءات الكرة الأرضية كلها على امتداد عام كامل. بين الخيالات، أو الأوهام، المصنوعة أميركيا ـ وبعضها مصنوع عالميا ـ أن سبب ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر هو مجرد «الكره لأميركا وللأميركيين»، برغم اعتراف البعض في الولايات المتحدة في بعض الأحيان بأن العالم لا يكره مبدئيا أميركا بل يكره عمليا سياساتها وممارساتها فقط، وبأن عليها ليس تغيير نظرتها الى العالم وانما ان تعمل ما يجعل العالم يغير نظرته اليها. وبينها أيضا أن التعاليم الاسلامية، خصوصا في ما يتصل بالجهاد والشهادة في سبيل الله، هي أحد عناصر التحريض، ان لم يكن عنصر التكوين الأساسي، على ما حدث في ذلك اليوم من العام 2001 في الولايات المتحدة ووصف بأنه «يوم هز العالم»، استعارة لعنوان الرواية العالمية ذائعة الصيت، وبالتالي للفيلم السينمائي تحت اسم «عشرة أيام هزت العالم». وبينها كذلك ان الارهاب ليس فقط استخدام العنف ضد المدنيين لأهداف سياسية، وفقا لأحد تعريفاته، وانما هو مجرد قول كلمة «لا» للتعريف الذي تتبناه ادارة الرئيس جورج دبليو بوش له خاصة اذا كانت هذه ال «لا» تتصادم مع أية مصلحة تعتبرها هذه الادارة حيوية لها ولاستراتيجيتها في العالم. في مقدمة الحقائق، يمكن ملاحظة ما يأتي: أولا: أدلجة الحدث، وبالتالي الحرب الأميركية الشاملة التي تشن ردا عليه، بصورة لم يسبق لها مثيل ولأهداف قد لا تكون بعيدة عن «صراع الحضارات» الذي طرحت نظريته في السوق العالمية بعد انتهاء الحرب الباردة بانتصار الليبرالية والرأسمالية الغربيتين. اذ لم تكن عملية الحادي عشر من سبتمبر، بالمعنى المادي للكلمة ولكونها عملية جماعية وليست فردية أو مزاجية شخصية، سوى تكرار شبه حرفي لما قام به عدد من الطيارين الانتحاريين اليابانيين في نهاية الحرب العالمية الثانية ضد ميناء بيرل هاربر العسكري في الولايات المتحدة الأميركية. وصحيح ان عملية الطيارين اليابانيين استهدفت مواقع عسكرية بامتياز في بيرل هاربر بينما ضربت الثانية أهدافا مدنية بامتياز ايضا مثل مركز التجارة العالمي في نيويورك (والبنتاغون هنا هو رمز عسكري بأكثر مما هو موقع حربي)، وأن الرد الأميركي عليها بلغ حد استخدام القنابل الذرية لأول مرة في التاريخ ضد مدينتين يابانيتين هما هيروشيما وناغازاكي، وبناء معسكرات اعتقال حشر فيها كل ذي سحنة صفراء صدف وجوده على أراضي الولايات المتحدة فضلا عن جميع الأميركيين من أصل ياباني، الا ان أحدا في واشنطن ـ رسميا أو أكاديميا أو شعبيا ـ لم يقل مثلا ان البوذية التي يدين بها الشعب الياباني هي المسؤولة عن نظرية الاستشهاد، أو «الكاميكاز» لدى اليابانيين، ويجب اذا شن حرب عليها كما يقال حاليا عن الاسلام كدين أو عن التعاليم الأسلامية حول الجهاد والشهادة باعتبارها «ايديولوجيا للتضحية بالنفس لا لشيء الا لقتل الآخرين». وقبل ذلك وبعده، لم يكلف أحد يومها عناء المقارنة بين استهداف المواقع الحربية في بيرل هاربر ورد الأميركيين على ذلك بقتل الآلاف من المدنيين، وبقنابل ذرية هذه المرة، في المدينتين اللتين لا تزالان تعانيان من آثارها على أجيال متعاقبة من اليابانيين حتى الآن. فاستهداف المدنيين، ولأهداف سياسية هي اخضاع اليابان والزامها بالاستسلام، لم يوصف في ذلك الحين بالارهاب، بينما هو ارهاب دولي مدان ويستحق حربا شاملة عليه اذا كان يتعلق بعملية يقوم بها مجموعة أفراد في أميركا أو بانتفاضة يقوم بها مقاومون فلسطينيون ضد الاحتلال الاسرائيلي أو حتى بنشر قيم اسلامية تتحدث عن الجهاد والاستشهاد في سبيل الله. ثانيا: اسقاط مقولة «الاستعمار الجديد» التي سادت لدى الدول الاستعمارية في أوروبا طيلة عقود الخمسينيات والستينيات في مواجهة تصاعد حركات الاستقلال والتحرر الوطني في العالم، والعودة الى نظرية «الاستعمار المباشر» كما في القرون السحيقة وصولا الى النصف الأول من القرن العشرين. تفصيل ذلك انه لم يشهد التاريخ، وتحديدا التاريخ الحديث، عملية مزج بين متناقضين على طول الخط كما تحاول ادارة «الدولة العظمى» ان تفعل، وبصراحة بالغة، في هذه المرحلة من تاريخ البشرية: فرض نظام حكم «ديمقراطي» في بلد ما وغزو ذلك البلد من الخارج ـ بالقوة المسلحة او بالشروط السياسية الملقاة من فوق ـ لفرض هذا النظام، كما يبدو واضحا حاليا بالنسبة لكل من العراق وفلسطين، برغم أنها جربت عملية مشابهة في أفغانستان منذ شهور قليلة ولم تؤد عمليا الا الى فوضى عارمة يشهدها ذلك البلد بأم العين هذه الأيام. بل وأكثر، فما تقوله واشنطن حاليا عن أفغانستان، وعن مستقبل القوات المسلحة الأميركية فيها، يتناقض تماما مع ما كانت تقوله عنهما عشية العملية الحربية ضد ذلك البلد من بلدان آسيا الوسطى على خلفية أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتواجد منظمة «القاعدة» ونظام حكم «طالبان» فيها. أقل كلمة تقال في هذه الأيام هي أن القوات الأميركية باقية في أفغانستان الى أمد طويل، وأنها ستبقى أيضا في كل من أوزبكستان وجورجيا واذربيجان، بينما لم يقل في السابق الا أن العملية هناك مؤقتة وانها لن تتجاوز أسابيع أو شهورا قليلة. لكن الجديد هو أن الأمر الأخير، أي التواجد العسكري الى فترة طويلة، يقال حاليا وعلنا كذلك عن الغزو المتوقع للعراق. لماذا؟!، لأن العراق ـ وفقا لدعوى توماس فريدمان في «النيويورك تايمز» أخيرا ـ لم يشهد حكم القانون منذ شريعة حمورابي قبل حوالي ألفي عام من ميلاد المسيح... الدعوى ذاتها التي يمكن ان تقال عن أي بلد آخر في العالم، وليس في المنطقة العربية وحدها!!. ثالثا: جعل العالم «قرية أميركية»، وليس «قرية كونية» كما جعلتها ثورة التكنولوجيا مع بداية القرن الحادي والعشرين... ليس في السياسة فقط، وانما ايضا في الزراعة والصناعة والماء والهواء والثروات الطبيعية والقوة البشرية والسوق الاستهلاكية الخ. نظام «الشريف» ذي الشوارب الكثيفة، حامل المسدس وراكب الحصان الذي يواجه «الكاوبوي» بأسلوب «الكاوبوي» نفسه، والذي لا يزال معمولا به للآن في الولايات المتحدة، هو النظام المقترح لحكم تلك القرية في المستقبل البعيد ان لم يكن القريب. منتقدو هذا التصور الأميركي للعالم يعتبرونه «انفرادية» يرفضونها تارة ويتحفظون عليها تارة أخرى، كما هو الحال في معظم دول أوروبا، لكنهم لا يصلون الى حد التقدم خطوة الى الأمام على طريق احتمال الوقوف في وجهها. تجسد ذلك على امتداد عام كامل في مراوحة مواقف هذه الدول تجاه الحرب الأميركية ضد أفغانستان ثم الآن تجاه الحرب ضد العراق، فضلا عن الدعم المطلق لسياسة الأبادة الاسرائيلية للشعب الفلسطيني، وفي التراجع أمام شروط واشنطن للموافقة على المحكمة الجنائية الدولية، وفي ابتلاع اللسان في مواجهة الرفض الأميركي لمعاهدة كيوتو حول ارتفاع حرارة الأرض، وفي القبول بصياغتها لمعاهدة الحد من الأسلحة النووية والصواريخ العابرة للقارات، وصولا الى سكوت روسيا ـ الدولة العظمى الأخرى في ما بعد الحرب العالمية الثانية ـ على اقامة قواعد عسكرية أميركية على حدودها المباشرة وبالذات في الدول التي كانت جزءا من الاتحاد السوفييتي السابق. أما الدول الضعيفة، والتي لا حول لها ولا قوة بقرار منها أولا قبل ان يأتي القرار من الأقوياء أو حاليا من القوي الوحيد، فتبدو في موقف من ينتظر لمعرفة «الدور» الذي يمكن ان يسند اليها في تلك «القرية» اذا كان لها من دور. تجسيد ذلك ما يقال علنا الآن، وما قيل بوضوح بالغ في ذكرى أحداث الحادي عشر من سبتمبر، من أن الولايات المتحدة تغيرت جذريا بنتيجة هذه الأحداث ومن أن العالم بدوره قد تغير جذريا، ثم يسود صمت طويل تدليلا على الجهل بحجم هذا التغير ومداه، وكيف، والى أين يريد «الشريف» حامل المسدس أن يصل به. ... وباختصار، فإن الصورة تبدو حاليا وكأن زلزالا كونيا قد حدث لكن أحدا لا يعرف عدد ضحاياه ولا هوياتهم، بل ولا يعرف كذلك ما اذا كان هو من بين هؤلاء الضحايا. ـ كاتب لبناني