اما كان الاجدر بالدكتور نبيل شعث الوزير المسئول عن الشئون الخارجية في السلطة الوطنية الفلسطينية أن يشخص الى بغداد ويعلن من هناك في بيان مشترك مع رصيفه العراقي تضامن الشعب الفلسطيني مع الشعب العراقي الشقيق عوضاً عن السفر الى نيويورك لمقابلة الرئيس الاميركي جورج بوش؟ ليس هذا تساؤلاً عاطفياً وانما هو سؤال براغماتي بحسابات الربح والخسارة في مجال المهارة الدبلوماسية كان حرياً بالوزير الفلسطيني ان يطرحه على نفسه. لقد كانت المقابلة بناء على طلب من الرئيس الاميركي، وكان الجدير بالوزير الفلسطيني ان يسأل نفسه أولا: كيف أستجيب لطلب رئيس اجنبي أعلن على الملأ انه لا يعترف بشرعية رئيسي.. بل ويعتبر الرئيس شخصية «ارهابية» فقدت دورها السياسي؟ ثم ما هو المكسب الذي يحققه الوزير شعث ومن ورائه سلطته الوطنية وشعبه من هذه المقابلة؟ يعرف العالم كله انه منذ ان تولى الرئيس بوش منصب الرئاسة استقبل رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون ست مرات بينما رفض على طول الخط مقابلة الرئيس الفلسطيني عرفات ولو لمرة واحدة بل وذهب ابعد من ذلك متبعا مسلكاً شاذاً خارج الاعراف الدبلوماسية تماما تجاه الزعيم الفلسطيني، فبعد ان دمغه ودمغ نضال شعبه بالارهاب فإنه طالب علنا بتنحيته. غير ان هذا الجانب الشكلي المريب لا يكتمل إلا اذا تساءلنا عن موقف الرئيس عرفات نفسه تجاه المقابلة التي جرت، فهل استأذن الوزير الفلسطيني رئيسه قبل التجاوب مع الطلب الاميركي؟ اذا كان الوزير شعث قد تصرف بمفرده متجاهلا رئيسه فإن ما يتوقعه الشعب الفلسطيني في هذه الحالة هو ان يصدر الرئيس عرفات امراً باقالة الوزير، اما اذا كان الوزير قد حصل مسبقاً على ضوء اخضر من رئيسه فانها تكون كارثة عظمى. هذا من ناحية الشكل، اما من ناحية المضمون فإن الوزير الفلسطيني يفترض ان يدرك بحكم انه عمليا وزير للخارجية ان هدف الرئيس بوش من المقابلة ينحصر تماماً في خدمة الاجندة الاميركية الشريرة نحو العراق دون ان يخدم مصلحة وطنية فلسطينية واحدة، ان الرئيس الاميركي اذ يتأهب لتوجيه ضربة قاصمة ضد العراق فإنه يريد وفقا لمشورة مساعديه تبرير الوضع الفلسطيني مرحليا، ولكن دون ان يقدم للشعب الفلسطيني اي مكافأة سياسية ذات معنى.. ومع بقاء الدعم الاميركي لاسرائيل. ان الرئيس بوش يعلم علم اليقين انه لكي يضمن دعما من الانظمة العربية لمغامرته العراقية فإنه ينبغي عليه ان يقدم شيئا ما للفلسطينيين يبدو ظاهريا وكأن الولايات المتحددة قررت اخيراً تغيير موقفها تجاه الصراع العربي الاسرائيلي. لقد حرص الرئيس بوش ان يتضمن خطابه الى الامم المتحدة الاسبوع الماضي «شيئاً» عن فلسطين وبينما استغرق حديثه عن المسألة العراقية ثلاثين دقيقة فإن حديثه عن فلسطين لم يزد على ثلاث دقائق ثم انه لم يقل شيئا. فالفقرة التي خصصها الرئيس الاميركي عن قضية الشعب الفلسطيني لم تأت بجديد في السياسة الاميركية.. فقد كانت تكراراً مملاَ لتلك العبارات الهلامية التي تتحدث عن «دولة فلسطينية» بطريقة معممة ومبهمة. وتأتي الفكرة الاميركية لاتاحة فرصة لوزير فلسطيني ليحظى بمقابلة الرئيس الاميركي كتكملة درامية شكلية للخدعة، لكن حتى هذه الحيلة الشكلية اخرجت بدرجة عالية من الحذر اتقاء لغضب ارييل شارون واللوبي اليهودي، فقد حرص المخرجون الاميركيون ان تتم المقابلة، ليس في البيت الابيض في واشنطن وانما في مكتب الرئيس الاميركي داخل مبنى الامم المتحدة في نيويورك.. وذلك حتى تكون اشبه بمقابلة غير رسمية، ويمكن القول من الناحية الفنية القانونية ان المقابلة حدثت خارج الحدود الاميركية.. ذلك ان مبنى الامم المتحدة في نيويورك يعتبر من منظور القانون الدولي ارضا «دولية».. لا اميركية. لقد كان الاجدر بالوزير الفلسطيني في هذا الظرف الاستثنائي الذي يتعرض له الشعب العراقي الشقيق ان يسافر الى بغداد عوضا عن نيويورك.. فالعدو الذي يواجه شعب العراق هو نفس العدو الذي يواجه شعب فلسطين وحري بالقيادة الفلسطينية ان تدرك ان النجاح الاميركي في خطة الغزو الموجهة ضد العراق سوف يعني ـ كخطوة تالية ـ ترجمة هذا النجاح الى تصعيد اسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني بدعم اميركي. ولتتأمل القيادة الفلسطينية لماذا يعلن قادة اسرائيل ابتهاجهم بالغزو المرتقب للعراق حتى قبل وقوعه.. بل ولا يكف ارييل شارون وشمعون بيريز عن حث الادارة الاميركية على التعجيل بالهجوم.