يبدو أن الرئيس الاميركي جورج بوش الابن قد «وضع الأمور في نصابها»، وأن التغيير في العراق قادم لا محالة، ولكن المسألة أصبحت مسألة وقت،قد تستغرق بضعة أسابيع أو تتأخر قليلا، ولكن المؤكد أن العد التنازلي قد بدأ بالفعل. هذا هو ما كشف عنه خطاب الرئيس الاميركي يوم الخميس الماضي، الذي ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. ما أرغب في مناقشته هنا هو ذلك الرأي الواسع الذي ترسخ لدى البعض، والذي يأتي من أكثر من مصدر والقائل بأن التغيير في العراق سوف «يفتح أبواب جهنم» على مصاريعها وأن المنطقة «سوف تشهد اندلاع بؤرة ثعابين»، ولن يعرف أحد من أين تأتي وإلى أين تتجه، أو أن النار سوف تشتعل في المنطقة ولن تجد إلى إطفائها سبيلا. مثل هذا الكلام قد مللنا سماعه في العام 1990م، ومن أشخاص ومؤسسات ودول كثيرة، ولكن لم يتحقق شيء منه، وتكرر سماعه بعد ذلك منذ أقل من سنة عندما عزمت الولايات المتحدة على ضرب طالبان والقاعدة في أفغانستان، فلماذا كل هذا التهويل الذي أصبح صفة لازمة من صفات الإعلام العربي، وزينة التصريحات اليومية للمسئولين. كتّاب وأكاديميون وسياسيون بدأوا يحذرون في الربع الأخير من سنة 1990، وبعد أشهر قليلة من احتلال العراق للكويت، من أن أي هجوم على العراق في ذلك الوقت لتحرير الكويت، هو هجوم على الإسلام والمسلمين، وإن حربا كهذه ستكون حرباً بين المسيحيين والمسلمين، وسوف تندلع في كل مكان، بل إن أكاديميين من أمثال وليد الخالدي وحليم بركات وهشام شرابي وغيرهم كثيرون بدأوا ينظّرون في مقالاتهم الصحافية، ويكتبون المذكرات للإدارة الاميركية محذرين من الطامة الكبرى التي سوف تحدث، ولقد كانت تعليقاتهم توحي بأنهم على ثقة ويقين من أن أفكارهم صائبة، لأنهم يعرفون طبيعة المجتمع العربي والإسلامي، وكأنهم يقرأون عواقب الأمور في كتاب مفتوح، حيث إن أي حرب تقوم بها الولايات المتحدة وحلفاؤها لتحرير الكويت تعني يقينا اشتعال المنطقة العربية والإسلامية بنار لن تهدأ حتى تأتي على الأخضر واليابس، وقد وافقهم في ذلك التصور، الممعن في التشاؤم والمفرغ من أي تحليل علمي رصين، الكثيرون سواء من العرب أو من بعض المحللين الغربيين. وعندما حان الوقت وبدأت الأحداث تدرج باتجاه تحرير الكويت، تبخرت كل تلك التحليلات الجوفاء، وانتهت كما تنتهي فقاعات الماء في الهواء، بل إن البعض أراد أن يتناسى كل ذلك ويدعي أنه لم يقله. ربما كانت بعض التوجهات في تلك التحليلات انعكاسا لرغبة دفينة في تحقيق ما هو متخيل، وتمنياً ذاتياً لا أكثر، ولكنها بالتأكيد لم تكن منبثقة من قراءة حقيقية للواقع ومدخلاته المختلفة. مثل هذه التحليلات المتشائمة انطلقت مرة أخرى عشية الحملة الاميركية على أفغانستان طلبا لرقبة أسامة بن لادن وشريكه الملا عمر، ومن ورائهما تنظيم القاعدة وحركة طالبان. وكان الحديث وقتها أن هذه البلاد الوعرة هزمت إمبراطوريتين، هما الإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر والإمبراطورية السوفييتية في القرن العشرين، وأن أي تدخلات في الشئون الداخلية لهذا البلد المعقد التضاريس، السياسية والجغرافية، لا بد من أن تقود إلى مستنقع سياسي لا مخرج منه. وأثبتت الوقائع عكس ذلك تماما، ففي شهور قليلة تبخر حكم طالبان واستردت أفغانستان هامشا كبيرا من عافيتها السياسية، ولعل الحديث أيضا وقتها تطرق إلى استمرار الحرب هناك في شهر رمضان، وخرجت صيحات تطالب بوقف الحملة العسكرية في ذلك الشهر، خشية ردود أفعال غير محسوبة، وتبين لاحقا أنه حتى هذه كانت تمنيات أكثر منها حقائق على الأرض. و اليوم تتكرر تلك الأمنيات بإطلاق التصريحات القائلة بأن محاولة تغيير النظام العراقي من قبل المجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، سوف تطلق الشرور كلها في الشرق الأوسط، وهي من جديد أفكار وتمنيات لفظية غير مستندة إلى واقع حقيقي على الأرض ولا تستند إلى قرائن سابقة. الواقع على الأرض يقول عكس ذلك، فالمعني بإحداث التغيير هنا هو الشعب العراقي، وشروط الرئيس الاميركي الأخيرة ـ التي أعلنها يوم الخميس الماضي ـ تأخذ في الحسبان حقوق هذا الشعب وتراعي أيضا الكثير مما عاناه. ولعدد من الأسباب فإن الشروط الجديدة المفروضة على العراق والتي يتدارسها مجلس الأمن، لن تقابل في بغداد بالموافقة، لأنها شروط تبدو لكل عاقل أنها صعبة، ولن يقبل بها النظام العراقي، لذا فهي تهدف إلى مرحلة جديدة من مراحل العراق السياسية، وليس إلى تأهيل مرحلة سابقة. و لا يملك أحد من الدول الإقليمية الصغيرة أو الكبيرة القريبة من العراق أن يقف أمام المتطلبات الاميركية، فهي الدولة الكبرى التي تنصاع لإرادتها الدول الغربية وهذه الدول ـ الغربية ـ هي الحليف الأول للولايات المتحدة، فما بالك بقدرات دول أصغر، كما أنها (الولايات المتحدة) اليوم هي القابضة على مقاليد الأمور في الشارع الدولي، من بكين إلى موسكو، لذا فإن حسن قراءة الأوضاع الدولية يقودنا إلى القول بأن التصريحات والاستعدادات القائمة من أجل التغيير قادمة لا شك فيها، كما أن التخويف من اندلاع حرائق عديدة في الشرق الأوسط من جراء ذلك التغيير أمر مبالغ فيه، يكبر كثيرا في وسائل الإعلام من أجل استنفار العامة الذين لا يستطيعون ـ في النهاية ـ عمل أي شيء مفيد غير ربما حرق الأعلام. و الرهان القائم الآن ـ وربما في الأيام القليلة المقبلة ـ هو أن تقبل بغداد بالشروط الجديدة التي يقررها مجلس الأمن،فهل تبقى بغداد على ما عودتنا وعودت العالم عليه من أن قراراتها دائما تأتي في الساعة الخامسة والعشرين، بعد أن يكون كل شيء قد انتهى، ولعل المثال الذي ذكره عبد الرحمن الجبرتي، المؤرخ المصري، وأثير أخيرا في بعض الكتابات العربية ينطبق حرفيا على الوضع العراقي الحالي، والمثال يقول «حتى يأتي الترياق من العراق يموت الملسوع». كل الدلائل تقول إن التغيير في العراق ـ إن حدث ـ فإنه سيكون تغييرا موضعيا في المدى القصير، ولن يؤثر كثيرا في دول الجوار، ولن يستنفر إحداها لتحقيق مصالح خاصة،فقد أعلنت إيران أكثر من مرة حيادها التام إزاء الأزمة القائمة، كما أن دولا مثل باكستان تقول علنا إنها مكتفية بما لديها من مشكلات، ولن تقوم تركيا بعمل غير متوقع في شمال العراق، كما أن تأثير ما سوف يحدث في الخليج سيكون في حدوده الدنيا، فعن أي حطب يتحدثون لإشعال النار. أما الفوائد فهي كثيرة، على رأسها نزع فتيل التوتر في الإقليم الخليجي، الذي استمر لعدد من العقود، صاحبه توجسٌ وخوفٌ وعدم اطمئنان، مما سبب كل هذا الإرباك المشاهد في عمليات التنمية التي يشتاق إليها أبناء هذا الإقليم، كما أن الفائدة الأخرى هي في تقليل الإنفاق على السلاح الذي يبتلع من ميزانيات هذه الدول ما هي في أمس الحاجة إليه، لتوجيهه صوب تنمية شاملة في القطاعات الحيوية المختلفة كالتعليم والصحة والبنى التحتية.... إلخ، هذه التنمية التي وقف سباق التسلح وتمويلُه حجر عثرة في طريق وصول موارد هذه البلاد ـ على اختلافها ـ إلى مظانها المأمولة،مما أوجد أيضا بيئة تحتضن الرفض الذي يقود بدوره إلى عدم الاستقرار. ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت