ـ سئل اعرابي فقال: رحم الله مسلما لم تمج اذناه كلامي، وقدم لنفسه معاذا من سوء مقامي، فإن البلاد مجدبة، والدار مضيعة، والحياء زاجر يمنع من كلامكم، والعدم عاذر يدعو الى اخباركم، والدعاء احدى الصدقتين. فرحم الله آمراً بمير، وداعيا بخير، فقال له بعض القوم: ممن الرجل؟ فقال: ممن لا تنفعكم معرفته، ولا تضركم جهالته، ذل الاكتساب يمنع من عز الانتساب. ـ وقال الشيباني: اقبل اعرابي الى مالك بن طوق، فأقام بالرحبة حينا، وكان الاعرابي من بني أسد، صعلوكا في عباءة صوف وشملة شعر. فكلما اراد الدخول منعه الحجاب، وشتمه العبيد، وضربه الاشراط. فلما كان في بعض الايام خرج مالك بن طوق يريد التنزه حول الرحبة، فعارضه الاعرابي، فضربوه ومنعوه، فلم يثنه ذلك حتى اخذ بعنان فرسه، ثم قال: ايها الامير، اني عائذ بالله من اشراطك هؤلاء. فقال مالك: دعوا الاعرابي، هل من حاجة يا اعرابي؟ قال: نعم اصلح الله الامير، ان تصغي اليّ بسمعك، وتنظر اليّ بطرفك، وتقبل الي بوجهك قال: نعم. فأنشأ الاعرابي يقول: ببابك دون الناس انزلت حاجتي واقبلت اسعى حوله واطوف ويمنعني الحجاب والستر مسبل وانت بعيد والشروط صفوف يدورون حولي في الجلوس كأنهم ذئاب جياع بينهن خروف فأما وقد ابصرت وجهك مقبلا فاصرف عنه، انني لصفيف ومالي من الدنيا سواك ولا لمن تركت ورائي مربع ومصيف وقد علم الحيان: قيس وخندف ومن هو فيها نازل وحليف تخطي اعناق الملوك ورحلتي اليك وقد اخنت علي صروف فجئتك ابغي اليسر منك فمر بي ببالك من ضرب العبيد صنوف فلا تجعلن لي نحو بابك عودة فقلبي من ضرب الشروط مخوف فاستضحك مالك حتى كاد ان يسقط عن فرسه، ثم قال لمن حوله: من يعطيه درهما بدرهمين، وثوبا بثوبين؟ فوقعت عليه الثياب والدراهم من كل جانب، حتى تحير الاعرابي، ثم قال له: هل بقيت لك حاجة يا اعرابي؟ قال: اما اليك فلا. قال: فالى من ؟ قال: الى الله ان يبقيك للعرب، فانها لا تزال بخير ما بقيت لها.