ترى ماذا تعني اعترافات الجيل، وماذا تعني صراحتهم غير المعهودة ممن هم في مثل سنهم من الاجيال التي سبقتهم ولم يكن بها عهد على الجرأة والصراحة في امورهم الخاصة، او مشاكلهم التي تتعدى مجرد سرد الهموم الى المكاشفة عن الاخطاء والممارسات السلبية؟! ان قدرة المراهقين والمراهقات على مواجهة الكبار والاعتراف امامهم ببعض الاخطاء والتجاوزات التي صدرت منهم هو امر يشهد به من يمارسون عملية التوجيه والتربية، سواء كانوا من فئة المعلمين والمعلمات او من فئة الآباء والامهات الذين كسروا حاجز الخوف المصطنع، وذهبوا بعيدا في اتجاه تكوين علاقة محسومة لصالح الصداقة والعاطفة المفتوحة التي باتت تجمع بين جيلين. ومن اللافت حقا انه بمجرد ما يتكون نوع من الثقة والاحترام في نفسية الفتيان والفتيات تجاه احد الكبار فانه سرعان ما تذوب الفوارق والمسافات الوهمية، ويرى المراهق او المراهقة نفسيهما مندفعين الى تحطيم الاسوار واطلاع من رأوه اهلا للثقة على اسرارهما او ما حاولا اخفاءه عن الاقران والاصدقاء وربما من هم اقرب اليهم من هؤلاء. وقد لامست عن قرب مثل هذه المبادرات الثمينة التي تصف حالة التوهج، والرغبة في الوصول الى احترام الذات، وتصحيح المسار لدى شرائح مختلفة من الفتيات وجدتهن مهيآت لتحسين سلوكهن واضفاء قدر من المسئولية على ما يقمن به من اعمال. وبينما بدا لي ان اعتراف الفتاة بالقيام بخطأ ما امام احد الكبار هو سلوك ايجابي ينم عن وجود صوت داخلي عميق يطالب الفتاة بان تعتني بتهذيب مشاعرها وافكارها وتصرفاتها، وجدت طائفة اخرى من الناس ينظرون الى هذا السلوك على انه جرأة اكثر مما يجب، وقد يتخذونه مؤشراً جديداً على انفلات الفتاة وعدم احترامها لمن حولها او انه نوع من التباهي بالسلوك السلبي امام الآخرين، وفي تقديري ان مثل هؤلاء الناس قد ذهبوا بعيدا في ظنونهم واساءوا فهم مغزى الرسالة التي يحملها هذا التصرف الايجابي الملموس. فالفهم الاسرع لمثل هذه المحاولات والاجتهادات انه طلب بالتدخل والنجدة، وانقاذ الفتاة من عواقب سلوكها المرتبك الذي لم يعد بها قدرة للسيطرة عليه او تعديله. وهذه الصرخة تنم عن ثقة كبيرة بالطرف الذي تلقي اليه بحملها الذي ناءت به، وتريده ان يمد لها يد العون ليختصر عليها المسافة التي تفصل بينها وبين السلوك الملتزم. ثم انها اشادة عملية بإمكانات المربية التي تضع بين يديها مشاكلها الخاصة، وتختارها دونا عن سواها لتستمع الى شهادتها على نفسها، واعترافها بارتباكها الشديد وعجزها عن اصلاح عيوبها التي يؤرقها الاستمرار فيها. ان اعتراف الجيل، وشهادته على نفسه هو علامة ايجابية على الرغبة في التخلص السريع من اي تدهور في السلوك، أو تراجع في الاهتمامات. وعلى المربين ان يرحبوا بهذه المحاولات، وألا يكونوا قضاة يبحثون عن الدلائل والشبه ليبنوا عليها احكامهم التي لا تتناسب مع طبيعة الموقف العلاجي الذي تستدعيه طبيعة الظروف التي ترتبط بالطلاب والطالبات، وتتطلب مرونة عالية وقدرة على توظيف المواقف السلوكية في اتجاه تدعيم العلاقة النفسية والارتباط الوجداني بين المربي وطلابه، وبين المربية وطالباتها، وهو امر لا يتأتى لمن يتصدى للمواقف المختلفة التي يتصدر من الجيل، بِنَفَس القاضي الذي لا شك ان طبيعة مهنته تختلف اختلافا كليا عن مهنة المعلم او المعلمة!! ويوم ان تتشابك الادوار، ويحصل التفاف على أحد الادوار الرئيسية لبعض المنتسبين الى الميدان التربوي، فإن هدرا على مستوى العلاقات الخاصة بين فئتي المؤسسة التعليمية سوف يحدث. وسوف تحيد عناصر حيوية كانت قادرة على استثمار البيئة المدرسية في تحسين علاقة الطالب مع نفسه ومع ادواره الاخرى. وهي متاهة صنعها المربي الذي فقد القدرة على الربط بين دوائر العمل التربوي المكلف بها، ثم دخل فيها الناشيء الذي تلفت يمينا وشمالاً ولم يجد من يبادر باحتوائه واستيعابه والاصغاء اليه!! والسؤال الحائر: أليس الالتفاف على احد الادوار البارزة في العمل التربوي دليلا على الخلل في الرؤية والتثاقل عن اداء الواجب، ام انها خلاف ذلك؟!