لا تضحكوا من فضلكم.. ولا تندهشوا.. فالحكاية التي سأحكيها لكم اليوم يبدو أنها حقيقية كما تشير الى ذلك بعض صحف القاهرة منذ أيام قليلة مضت، وحتى لا أجهد عقولكم في البحث عما تكون هذه الحكاية فإنني ارجوكم ان تتخيلوا معهداً «عالياً» يمنح الدارسين دبلوماً «عالياً» أيضا، وتتولى رئاسته احدى راقصات هز البطن «عاليات» الشهرة!! ففي آخر صرعات هذا الزمان ـ تقول الصحيفة: ان ذهن الراقصة المعروفة «دينا» تفتق عن تلك الفكرة «الرائعة» ولعبت الفكرة برقصها «عفوا برأسها»، وبعد ان استشارت خبراء «بواطن» الامور في عالم هز الخصور «بالمناسبة: بواطن ليست جمع بطن» تقدمت الفنانة الجريئة بطلب الى وزير التعليم العالي في مصر لإقامة «معهد عال لتدريس فن الرقص الشرقي للفتيات»!! وبالطبع اصيب الوزير بالفزع من جرأة الطلب وصاحبته ورفضه دون تردد. غير ان امثال هاتيك الرائدات والخيّرات في زماننا التعيس هذا ـ ومنهن الراقصات بالطبع!! ـ لا ينبغي لهن ان يشعرن باليأس أبداً، فما ضاع «رقص» وراءه مطالب «مع الاعتذار للمثل المشهور»، فشمرت الراقصة الفاضلة عن «ساعديها» وقررت استغلال تكنولوجيا العصر لاقامة معهدها «العالي» على موقع خاص على شبكة الانترنت، ولم توضح الصحف ما اذا كانت الدروس فيه سوف تشمل ايضا الدارسين من الرجال فقد انتشرت هذه الأيام موجة قبيحة بين الشباب الذي اصبح يحلو له ان يتلوى على ايقاعات الاغاني السخيفة الهابطة التي تؤديها اصوات متشابهة اقرب الى نقيق الضفادع او نعير الماعز. وما أشد قبح منظر الرجل وهو يهز بطنه ويتلوى متمايلاً متبختراً. ولما كان الشيء بالشيء يذكر فقد راودتني نفسي ان أبحث عن أصل هذا الرقص الشرقي وكيف وأين نشأ؟ خاصة وأنه أصبح ظاهرة عامة بين شابات وشبان الوطن العربي، وقررت ان اقتدي بالست دينا وذلك باللجوء الى شبكة الانترنت، وخرجت من الشبكة صفحتان باللغة الانجليزية تحملان العنوان التالي: «تاريخ مختصر لرقص هز البطن» وهذه هي الترجمة الدقيقة لكلمتي «Belly Dancing» الانجليزيتين، ثم هناك عنوان فرعي هو: الاصول القديمة، وتحت هذا العنوان الفرعي تقول ورقة الانترنت ان ذلك النوع من الرقص هو واحد من أقدم أشكال الرقص، وتعود اصوله الى منطقة في الشرق الاوسط تعرف باسم «مهد الحضارة» في الاقليم الواقع بين نهري دجلة والفرات، ونعرفها نحن العرب باسم حضارة ما بين النهرين، ويقول بحث الانترنت: ان الراقصات ظهرن على نقوش المقابر في تلك المنطقة في وقت مبكر يعود الى عام 5000 قبل الميلاد، وارتبطت رقصات النساء في تلك العصور القديمة بالدورات والمواسم الزراعية بينما كان همّ الرجال منصرفاً الى الصيد والحرب، اما النساء فقد كن رمزاً للخصوبة ويحملن سر الحياة في أعماقهن. ومن هنا يرى الباحثون ان هز البطن في الرقص القديم كان يرمز الى آلام المخاض، وان الركوع نحو الارض كان يرمز الى جلوس النساء البدائيات القرفصاء اثناء الولادة بدلا من الاستلقاء على ظهورهن على أسرة المستشفيات الحديثة. وبعد عام 2000 قبل الميلاد ثم سقوط الامبراطورية الرومانية، تحول الرقص الى نوع من الفن الفولكلوري الذي يمارس في المناسبات الخاصة وحفلات الزفاف والاحتفالات في القرى. ومنذ عصر النهضة ظلت فنون وثقافات الشرق الاوسط تأخذ طريقها الى المجتمع الغربي ودخل رقص هز البطن الى أميركا في عام 1893 من خلال معرض شيكاغو الدولي. وتحت عنوان فرعي آخر عن رقص هز البطن المعاصر في أميركا يشير بحث الانترنت الى انتشاره بين نسائها هذه الايام خاصة بعد انتشار تكنولوجيا الكمبيوتر وثورة وسائل الاتصال والاعلام. ويبدو ان الراقصة دينا تأثرت بأخبار انتشار مدارس الرقص الشرقي في أميركا وبعض بلاد اوروبا وخاصة في ألمانيا فتشجعت وتقدمت بطلبها الى وزير التعليم العالي. ونصيحتي لها ان تسرع بتحويل طلبها الى واشنطن التي ستسارع الى الموافقة عليه مدفوعة في ذلك برغبتها في عولمة كل شيء بما في ذلك هز البطن الأميركي!! وعند تمام العولمة ـ بعد سنوات قريبة ان شاء الله ـ سيجد خريجو وخريجات ذلك المعهد العالي اشكالية خطيرة تحيرهم وتشغل فكر علماء ومفكري ومثقفي زمن العولمة، وتبحث عن إجابة للسؤال الخطير التالي: أيهما أسبق: عولمة الرقص ام رقص العولمة؟!!