لست وحدي ـ كما أظن ـ ممن يستهويهم الجانب الإنساني البحت من حياة الاعلام والعظماء والمشاهير، هو الجانب الذي يؤكد ـ قبل كل شئ ـ أن الإنسان مهما بلغ من شأو العبقرية وذيوع الشهرة وعلو الكعب ونجومية المكان .. فهو أساسا كائن بشري يصدق عليه، كما يصدق على سائر البشر من عوامل الضعف إلى حد البكاء وعوامل الفرح والجزل والطرب ربما إلى حد الخفة التي قد تثير الاستغراب، خاصة إذا خلا بينه وبين نفسه أو بينه وبين خاصة المقربين إلى نفسه وبيته .. مازال يستهويني مثلا أن يعود العقاد يوما إلى منزله في شارع سليم الأول بمصر الجديدة ليفاجئ تلميذه ومريده الفنان صلاح طاهر (أمد الله في عمره) قائلا له: اترفدنا يا مولانا. كان الكاتب الجبار يومئذ (الثلاثينيات) في عنفوان قوته وفي أوج شهرته يشرع قلمه المقتدر فيهز أركان حكومات ويقوض مكانة زعامات وقيادات .. ومع ذلك فقد فوجئ بقرار جائر فصله وقطع عيشه من مجلة «روز اليوسف». ـ اترفدنا يا مولانا! ساعتها سأله صلاح طاهر عن التزاماته المادية بعد أن انقطع بهذا الرفد ـ الفصل أو التفنيش ـ مورد الرزق الوحيد لعباس العقاد فأجاب الكاتب الكبير: ـ علينا أن ندفع لمحمد الترزي (الخياط) أجرة تفصيل آخر بدلة أربعة جنيهات وبعد ذلك يبقى معنا حتى آخر هذا الشهر حوالي 7 جنيهات. طبعا يا أستاذنا .. هناك حسابكم في البنك .كان الفنان الرسام يتوقع مبلغا مهولا في الحساب المصرفي يعين الكاتب الجبار على الاستمرار بكل ما له من مكانة مرموقة وموقع سامق في منظومة الثقافة والسياسة وكم فوجئ صلاح طاهر وقتها حين أتاه جواب العقاد: ـ حسابنا في البنك 15 جنيها بالتمام والكمال! ـ وماذا تصنع بعد ذلك؟ ـ ماذا نصنع؟ خليها على الله! ـ نعم كان هذا كل شئ ربما كان صلاح طاهر يتوقع إجابة مغايرة .. هذا هو عباس العقاد الدارس القارئ المتمعن في التراث الفكري البالغ الثراء للقرن التاسع عشر وشملت قراءاته ولاشك تكريس حرية الإرادة .. وإرساء المناهج العلمية الموضوعية في التفكير والتخطيط وتنوعت هذه القراءات ما بين أصل الأنواع عند دارون إلى حرية الإرادة عند جودوين إلى نظريات النشوء والارتقاء الاجتماعي كما بسطها ويليام موريس أو سبنسر وحتى جورج برنارد شو .. ولكن إجابة العقاد تخطت هذا كله .. ـ خليها على الله! حيث لم يكن ثمة فرق بين كلام كاتب كان وقتها في طليعة مثقفي أمة العرب وبين كلام رجل من غمار العوام .. إنسان من بسطاء الدهماء الذين تزدحم بهم الساحات والأزقة والأسواق ذلك كان الجانب الإنساني .. الجوهر الكامن البسيط في شخصية العقاد .. الإنسان الذي يؤمن بأن رزق الإنسان من قبل ومن بعد هو بيد خالق هذا الإنسان .. سوف يعمل ولا يتواكل .. سوف يواصل ما يكتبه من منطلق قناعاته المستقرة في صميم عقله ووجدانه سوف يطرح أراءه في التقويم والإصلاح سوف يمارس حقه المشروع في حرية التعبير .. سوف .. وسوف .. ولكن في النهاية .. خليها على الله. لا اكتمك ـ علم الله ـ أن هذا هو الجانب الذي أحببته في العقاد .. قد يعجب المرء بحكاية الكاتب الجبار .. ولكن الاعجاب إلى حد المحبة الحادبة بل الحانية أولى بالكاتب .. الإنسان، هو نفس شعور المرء حين يطالع صفحات الجزء الرابع ـ الأخير من ديوان «الشوقيات» هنالك لن تلقى شوقي بك .. أمير الشعر أو شاعر الأمير، لن تقرأ أحمد شوقي الذي كانوا ينادونه بلقب «باشا» لأنه حصل على رتبته الرفيعة من السلطان العثماني ـ المتبوع الأعظم كما كانوا يسمونه في تلك الأيام البعيدة ـ وكان اسم الرتبة هو البيك المتمايز حسب التعبير العثمانلي. ولن تلقى أحمد شوقي خريج مدرسة (كلية) الحقوق الفرنسية ورئيس قلم الترجمة في القصر الخديوي بالقاهرة أو دارس الفلسفة والتاريخ في معاهد فرنسا. في الجزء الرابع من الشوقيات تلقى شوقي الإنسان وهو الأقرب إلى القلب والأدنى إلى الوجدان. أنت في الجزء الأول من الشوقيات قرأت مثلا قصيدة أقرب إلى النفس الملحمي نطمها شوقي من 264 بيتا! والقاها في المؤتمر الدولي للاستشراق المعقود في مدينة جنيف عام 1894 وكان أحمد شوقي مندوبا عن الحكومة المصرية وهي الهمزية الشهيرة الجليلة التي تحمل عنوانها الفخيم. كبار الحوادث في وادي النيل ويقول مطلعها: هّمت الفلكُ واحتواها الماء وحواها بمن تُقل الرجاء ضرب البحر ذو العباب حواليها سماء قد أكبرتها سماءُ وأنت في الجزء الثاني من الشوقيات ستقرأ معارضة شوقي سينية البحتري الشهيرة التي يفتتحها المبدع العباسي قائلا: صنتُ نفسي عما يدنّس نفسي وترفعتُ عن جدى كل جبس وفيها يفتتح شوقي قصيدته بقوله: اختلاف النهار والليل ينسي أذكُر لي الصبا وأيام أنُسي لكن الجزء الرابع يطالعك شوقي .. الآخر، شوقي الأب السعيد، الجد الحاني، الصديق المتبسط، فعندما جاءته بشرى ولادة نجله الأول «علي» كتب شوقي مقطوعة من البيتين لا غير فقال: صار شوقي أبا علي في الزمان الترللي وجناها جناية ليس فيها بأول وكلمة «ترللّي» كما يتضح من إيقاعها ورنين حرفي اللام في آخرها قد تكون تركيبا صوتيا خرافيا تعني الزمن المضطرب حيث تضطرم في بحره الزاخر شتى التيارات والخطوب والانواء، وربما أحس شوقي أن وليده جاءه فيما كان الشاعر الأب في سن متأخرة بالنسبة لعمر الآباء في ذلك العصر وكم يمس شوقي شغاف القلب وهو يعبر عن هذه الحقيقة في مقطوعة أخرى من 3 أبيات هذه المرة يخاطب فيها نجله عليا فيقول: عليّ لو استشرت أباك قبلا فإن الخير حظُ المُستشير إذا تعلمت أنا في غناء وإن نكُ للقائك في سرور وما ضقنا بمقدمك المفدى ولكن جئت في الزمن الأخير