يبدو التناغم عاليا للغاية بين الولايات المتحدة وإسرائيل فى هذه المرحلة من التاريخ، ذلك التناغم الذى بدأت معالمه متناسقة بشكل غير مسبوق بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر تلك الأحداث التى جعلت إسرائيل تعيث فسادا فى فلسطين وشعبها دون أن يقول لها أحد ماذا تفعلين، بل وصل الأمر بوصف المجازر التى ارتكبتها إسرائيل ضد العزل فى جنين إلى أن تعتبرها أميركا دفاعا مشروعا عن النفس، بينما الاعلام الأميركى المنحاز لاسرائيل يشارك فى الجريمة بالتستر عليها بشكل فاضح، ومع ارتفاع وتيرة الحديث الأميركي عن ضربة قادمة للعراق فإن إسرائيل اتخذت من هذا مظلة تواصل من خلالها مخططها تجاه فلسطين والمنطقة بخطى سريعة دون أن تعبأ بشيء أو تعول على أحد أو تخشى من أحد، فقرارات وزراء الخارجية العرب فى اجتماعهم الأخير فى القاهرة لم تخرج عن كونها كلاما لا يحمل أى معالم واضحة للتنفيذ، وشارون أعلن فى حوار نشرته صحيفة «معاريف» الاسرائيلية فى 6 سبتمبر الجارى معالم المخطط الاسرائيلى قائلة: لن تكون هناك تسوية بشأن القدس.. وإن أوسلو وطابا وكامب ديفيد لم يعد لها وجود.. باختصار شديد أنهى شارون ما لهث العرب وراءه أكثر من عشر سنوات بجملة واحدة، ولم يستطع أحد أن يرد عليه، ووضع إطار خطته على ثلاث مراحل: المرحلة الأولى وقف الأرهاب والعنف والتحريض والثانية التسوية الانتقالية التى يجب أن تشمل إنشاء علاقات، والثالثة التسوية الدائمة التى تحدد فيها الحدود بين إسرائيل والفلسطينيين، أما ياسر عرفات الذى يعتبره الفلسطينيون رمزا والذى يرفض شارون مجرد الجلوس معه أو اللقاء به فقد قال عنه شارون الامر يتعلق هنا بشخص اتبع خلال عقود استراتيجية إرهابا وأعمال قتل من أكثر الأعمال وحشية أى شريك ؟ على ماذا يتحدثون ؟ هذا وصف شارون لعرفات ثم واصل كلامه مؤكدا أن عرفات قد انتهى دوره وأن هناك من يعد ليحل محله سيكون هناك أشخاص يمكن التفاوض معهم حول السلام، لن أتطرق للأسماء ولكنى أستطيع أن أقول لك إن أحدهم اتصل معى قبل أيام وهو شخصية معروفة وطلب التحدث معى حتى يرى كيف يمكن التقدم، وأنا سألتقى معه هذا مستقبل القيادة الفلسطينية كما حدده شارون، وكما يسعى لتنفيذه الآن، أما الجرائم التى يرتكبها جيش إسرائيل ضد المدنيين الفلسطينيين فيقول عنها شارون أنا أنظر بإعجاب حقيقى إلى الطريقة التى تعمل بها هذه القوات، هذا أمر مذهل ويثير الاعجاب وعلى هذا النحو يجب أن نواصل وحتى يواصل شارون جرائمه على هذا النحو فقد اختار رئيسا جديدا للموساد كان شريكا معه فى تاريخ جرائمه طوال العقود الماضية هو الميجور جنرال مائير داغان الذى جاء به شارون من الاحتياط ليكون ذراعه الضاربة ضد الشعب الذى يتجرع المرارة من كل مكان، والخبرة الأساسية التى يتمتع بها داغان هى أن له تاريخا حافلا فى هدم منازل الفلسطينيين وترحيلهم وتعذيبهم وله خبرة واسعة فى قمع المقاومة الفلسطينية منذ السبعينيات حينما كان قائد كتيبة عسكرية كانت تابعة لشارون حينما كان قائد المنطقة الجنوبية مطلع السبعينيات، ولأن هذه المرحلة هى مرحلة تصفية المقاومة الفلسطينية لاسيما فى قطاع غزة والتى كانت بدايتها اغتيال الشهيد صلاح شحادة فى 22 يوليو الماضى فى عملية بشعة هنأ فى أعقابها شارون إسرائيل رغم أنها أدت إلى مقتل وإصابة مايزيد على مئة وثمانين مدنيا فلسطينيا لكن تقارير كثيرة تشير إلى أنها كانت الانطلاقة لتصفية كل قادة وزعماء ورموز المقاومة الفلسطينية السياسية والعسكرية فى مخطط إسرائيلى سيتم الانتهاء منه قبل نهاية هذا العام 2002، ومن الملاحظ أن جرائم إسرائيل اليومية ضد الشعب الفلسطينى قد تراجعت مكانتها فى وسائل الاعلام العالمية وحتى العربية وأصبحت تحتل الخبر الثانى أو الثالث بعدما خيمت مخططات أميركا ضد العراق على الأخبار الأولى لتشكل غطاء إعلاميا لجرائم إسرائيل وليصبح القتل والتدمير والتشريد والاعتقال والتعذيب أعمالا معتادة لا تحرك ساكنا حتى لدى العرب، وقد حدد شارون مخططه تجاه قمع المقاومة قائلا: علينا أن نواجه العدو فى بيته، وأن ننزعه من فراشه وأن نضعه كل الوقت أمام أوضاع متغيرة حتى يمل حياة الأرهاب أما الغطاء الأميركى لكل ما يقوم به شارون فقد تحدث عنه بوضوح تام قائلا: علاقتنا بأميركا رائعة، أنا لا أذكر فترة كانت بها العلاقات بهذه القوة إنها العصر الذهبى فعلا لاسرائيل فباعتراف شارون وبمخططه الذى تحدث عنه بوضوح بل أصبح يطبقه يتضح أن جانبا رئيسيا مما تقوم به أميركا من توجيه للأنظار تجاه العراق ليس سوى غطاء لجرائم إسرائيل ليست التى ارتكبتها والتى تركبها كل يوم و إنما التى سوف ترتكبها غدا والتى ربما تكون الأفظع تجاه الشعب الفلسطينى ليس خلال السنوات القليلة الماضية وإنما منذ الحرب العام 1948 وحتى الآن.. فماذا عساهم العرب فاعلون؟ ـ كاتب وإعلامي مصري