بعد مرور سنة على أحداث 11 سبتمبر وبعد عشرات الآلاف من المقالات والتقارير والدراسات والبرامج الحوارية والسياسية في المؤسسات الاعلامية المختلفة، وعبر جميع أنحاء العالم بأغنيائه وفقرائه بشماله وجنوبه بشرقه وغربه، نتساءل هل استطاعت وسائل الاعلام ان تنصف جمهورها وأن تنصف الرأي العام سواء على المستوى المحلي أو الاقليمي او الدولي لمعرفة حقيقة الحدث وخلفياته وابعاده، وأهدافه؟ هل استطاعت وسائل الاعلام ان تزيح الالتباس والغموض والتضليل والتشويه والصور النمطية وتقدم الواقع كما هو؟ أم أنها تسارعت وتفننت فبركة هذا الواقع واقع 11 سبتمبر وفق أهوائها وأهدافها ومصالحها ضاربة عرض الحائط أدبيات الموضوعية والالتزام والنزاهة وتقديم الحقائق كما هي لا غير. اسالت حادثة 11 سبتمبر الكثير من الأخبار وأفرزت اهتماما إعلامياً لا مثيل له في مختلف انحاء العالم، فتهافتت المؤسسات الاعلامية بمختلف انواعها واشكالها ومشاربها المالية والايديولوجية والسياسية لتقديم الاخبار والتعاليقات والبرامج التحليلية والدراسات حول الازمة وابعادها وخلفياتها وتداعياتها. والسؤال المثير للجدل والنقاش والدراسة من قبل الاكاديميين والسياسيين والمهتمين هو كيف تعامل الاعلام مع حادثة 11 سبتمبر؟ هل طرح كل الاسئلة التي خطرت وتخطر ببال الفضوليين من القراء والمستمعين والمشاهدين؟ هل اهتمت وسائل الاعلام بمعرفة لماذا ضربت اميركا دون غيرها؟ ومن ضرب اميركا؟ وما هي الخلفيات والابعاد؟ هل تساءلت وسائل الاعلام عن كيف كان بن لادن بطلا في الثمانينيات وحليفا استراتيجيا لاميركا في محاربة الاتحاد السوفييتي والشيوعية وكيف اصبح الآن العدو اللدود لاميركا؟ كيف كان بطلا واصبح ارهابيا؟ ومن الذي صنع بن لادن؟ ماذا حدث؟ ما هي علاقة ما حدث بما يجري في العالم من استغلال وظلم وبطش وعدم تكافؤ في العلاقات الاقتصادية والسياسية الدولية؟ ماذا عن الارهاب التي تمارسه العديد من الدول؟ وما هو الارهاب في المقام الأول؟ في هذا المقال نحاول ان نشرح كيف ان الاعلام في القرن الحادي والعشرين اصبح نظاماً يفبرك الواقع أكثر مما يشرحه ويفسره كما هو للرأي العام. الإعلام في عصر المجتمع الرقمي اصبح قوة تقرأ الواقع وتفسره وفق القوى التي تتحكم فيه ماليا او سياسيا او ايديولوجيا. بالنسبة لاحداث 11 سبتمبر وكيف تفاعل معها الاعلام الغربي، نلاحظ ما يلي: اولا: معظم وسائل الاعلام الغربية ركزت على الاسلام والمسلمين والعرب واستغلت الحدث للتضليل والتشويه والتعتيم وتعزيز الصور النمطية ضد الاسلام والمسلمين والعرب والتي اصبحت معروفة ومتداولة منذ زمن طويل. فتجاهلت وسائل الاعلام الاسباب الحقيقية وراحت تنظر لبعض الممارسات الخاطئة والمنحرفة عن تعاليم الدين الاسلامي وهذا ما ادى الى التباس كبير جدا وحرك الكراهية والضغينة والحقد عند فئات كبيرة من الرأي العام في الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأميركية الأمر الذي ادى الى وقوع حوادث وتصرفات عنصرية راح ضحيتها الكثير من المسلمين والعرب الابرياء في الدول الغربية المختلفة. والتناقض الصارخ هنا هو ان الغالبية العظمى من القائمين بالاتصال في الغرب ومن المسئولين في المؤسسات الاعلامية المختلفة لا يعرفون جيداً الإسلام ولم يحاولوا فهم هذا الدين والتفريق والتمييز بين تعاليمه وتطبيقه في ارض الواقع. ثانياً: ركزت وسائل الاعلام الغربية على نتائج 11 سبتمبر وتداعياتها على العلاقات السياسية الدولية وعلى الخريطة الاقتصادية العالمية وعلى الكثير من المفاهيم والمسلمات مثل الامن القومي، والعولمة ... الخ. الاسباب والمسببات اصبحت مهمشة وثانوية وغير مهمة واصبح التركيز فقط على الاصولية الاسلامية وعلى الارهاب حيث حاولت العديد من المؤسسات الاعلامية الغربية ربط ما يجري في فلسطين بما حدث في 11 سبتمبر، وهنا نلاحظ ان اسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي استفادت من احداث 11 سبتمبر لتطبيق ارهابها المستمر على الشعب الفلسطيني متذرعة بمحاربة الارهاب. واستطاع بذلك السفاح ارييل شارون ان ينفذ كل خططه الجهنمية للقضاء على كل بوادر التفاهم والحوار كأساس لاقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس. شارون وآلته الاعلامية الدعائية والمنتشرة في اكبر واهم العواصم العالمية استغل الاعلام الغربي لتمرير كراهية العرب والمسلمين وتشويه الاسلام. ثالثاً: فسر الاعلام الغربي الأصولية الاسلامية بانتشار الفقر والبطالة وانعدام العدالة الاجتماعية متناسياً تماماً ان النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة الاميركية هو نظام جائر غير عادل يبتز ويستغل الشعوب المغلوبة على أمرها وان السياسة الخارجية الاميركية ودور الشرطي الذي تلعبه الولايات المتحدة الاميركية في العالم هو اساس كراهية الكثير من شعوب العالم لها. رابعاً: تجاهلت معظم وسائل الاعلام الغربية كراهية الآخرين للولايات المتحدة الاميركية، حيث ان الاميركيين انفسهم فوجئوا بنتائج الاستطلاعات التي قاموا بها في مختلف ارجاء العالم. والسبب بطبيعة الحال يرجع الى السلوك التعسفي والجائر الذي تقوم به الولايات المتحدة في تعاملها مع دول العالم وخاصة سياستها الخارجية في الشرق الاوسط ودعمها اللامحدود لدولة اسرائيل. خامساً: تجاهلت معظم وسائل الاعلام الغربية سيطرة اللوبي الصهيوني على الكونجرس الاميركي وكذلك السياسة الخارجية الاميركية في منطقة الشرق الاوسط، كما تجاهلت الخضوع والخنوع الاميركي التام للكيان الصهيوني الذي يمارس يومياً ارهاب الدولة فأميركا تكيل بمكيالين في تعاملها مع ظاهرة الارهاب ومع مبدأ تحرير الارض وتقرير المصير. سادساً: اعتمدت وسائل الاعلام الغربية في معظمها في تحاليلها ودراساتها وبرامجها على خبراء ومختصين ومراكز بحوث ودراسات تتميز بعدائها لكل ما هو عربي ومسلم وبولائها للكيان الصهيوني والاطروحات الغربية المتطرفة التي لا تؤمن بحوار الحضارات والتفاهم والتواصل بين الشعوب، ولذلك لم نر شخصيات مثل «روجية جارودي» او «نعوم تشومسكي» او «ادوارد سعيد» على شاشات او صفحات المؤسسات الاعلامية الغربية الفاعلة، والسبب البسيط لذلك هو لأن اطروحات وآراء ووجهات نظر هؤلاء ستكشف «الفبركة» والألاعيب َُيفٌِيَفح والتزييف والتضليل الي تقوم بها الآلة الاعلامية الغربية في تقديم الاحداث وفق قراءتها هي وليس وفق الواقع. سابعاً: لم تحاول وسائل الاعلام الغربية ان تقدم صورة عن العلاقات الدولية وعن النظام الدولي وعن السياسة الخارجية الاميركية من مشروع مارشال الى يومنا هذا. كما لم تحاول ان تبرز التناقضات التي افرزتها السياسة الاميركية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وبذلك انهيار الثنائية القطبية وانفراد اميركا بالزعامة الدولية، الآلة الاعلامية الغربية جاءت سطحية في تعاملها مع حادثة 11 سبتمبر وحتى ما كتبه بعض الصحفيين الاوروبيين وعلى رأسهم الصحفي الفرنسي تييري ميسان صاحب كتاب «الخديعة الرهيبة» لم يؤخذ بالجدية اللازمة والكافية وانما تم النظر الى هذه الاطروحات بالسخرية والتهكم والازدراء فتييري ميسان يرى «ان التفجيرات نظمت من داخل قيادة الجيش الاميركي» وروجيه جارودي يرى «ان احداث سبتمبر مؤامرة تواطأت فيها المخابرات واجهزة الدولة». ثامناً: لم تحاول الآلة الاعلامية الغربية ان تتساءل عن عملية استغلال احداث 11 سبتمبر من قبل الولايات المتحدة الاميركية لاعادة صياغة العالم، وان الحرب ضد الارهاب ما هي الا حرب ضد القانون الدولي وحقوق الانسان التي اصبحت تعاني الكثير حتى في داخل حدود اميركا، فها هي ماري روبنسون مفوضة الامم المتحدة العليا لحقوق الانسان تقول «ان الولايات المتحدة الاميركية تتذرع منذ 11 سبتمبر بمكافحة الارهاب للتعرض لحقوق الانسان وبالتالي فنحن نشعر بالقلق على تآكل الحقوق المدنية في الدول التي تحارب الارهاب» وخير دليل على ذلك هو قانون الارهاب المطبق داخل الولايات المتحدة الاميركية والذي نسف نسفاً خطيراً كل ما له صلة بحقوق الانسان والحريات الفردية، ما يحدث في جوانتنامو والمعاملة الوحشية للسجناء هناك هو وجه آخر لانتهاك حقوق الانسان. نخلص الى القول ان اخفاء الحقيقة هي الدرجة العليا من الجريمة ومن الارهاب وان تزوير الواقع وتشويهه والتلاعب بعقول الجماهير لارضاء حفنة صغيرة جداً من تجار الموت يعتبر في خطورته وفداحته وانعكاساته اخطر واكبر بكثير مما حدث في 11 سبتمبر، فالضمير المهني مطالب باستعمال المهنية والحرفية والاخلاق والالتزام من اجل التفاهم والتواصل والحب والوئام بين الاجناس والاعراق والشعوب وحتى يصبح الاعلام مصدراً لنشر القيم الانسانية والمحبة والتفاهم والرفاهية والرخاء في جميع انحاء العالم، وليس لاشعال نار الفتنة والحروب والجرائم والحقد والكراهية والبغضاء والعنصرية. ـ كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة