بعد ان قبل الرئيس بوش مبدئيا بأن تعالج واشنطن المسألة العراقية من خلال الأمم المتحدة تكون القضية قد انتقلت ـ ولو مؤقتا ـ من المجال العسكري الى المجال الدبلوماسي. وهنا لا يواجه الرئيس الاميركي معرفة دبلوماسية حاسمة داخل المنظمة الدولية وحدها بل ايضا معركة خلفية داخل مؤسسة السلطة الاميركية نفسها ـ وتحديدا مع الكونغرس. فكيف يكون مصير العراق من خلال هاتين المعركتين؟ عودة فرق التفتيش الدولية الى العراق هي محور المعركة الدبلوماسية الدولية في مجلس الامن خلال الأيام المقبلة. واذ تنظر القوى الدولية الكبرى في المجلس ـ روسيا وفرنسا والصين ـ الى هذه المسألة لمنع وقوع هجوم عسكري على العراق فإن ادارة بوش تتعامل معها كحيلة «تكتيكية» لاستدراج الرئيس صدام حسين الى اتخاذ موقف التصلب ـ او التلكؤ المتعمد ـ حتى تتوفر بذلك الذريعة التي تريدها واشنطن لشن حرب على العراق تحت غطاء الشرعية الدولية. لكن مسألة التفتيش الدولي عن اسلحة الدمار الشامل في العراق ليست بالبساطة التي تبدو عليها. السيناريو في صيغته المبسطة يكون كما يلي: تتخذ الدول الاعضاء ـ وبينها الولايات المتحدة ـ بالاجماع قرارا يفرض على الحكومة العراقية السماح بعودة فرق التفتيش لاستئناف نشاطها دون اي قيد او شرط من الجانب العراقي. ويتضمن القرار مهلة زمنية محددة ـ ثلاثة اسابيع مثلا ـ لكي تتجاوب السلطات العراقية معه. هنا تأمل ادارة بوش ان تتصلب بغداد فترفض القرار او تتلكأ على اساس انه لا يربط بين عودة المفتشين وإلغاء نظام العقوبات الدولية المفروضة على العراق منذ 11 عاما. وفي هذه الحالة تنطلق الولايات المتحدة في تنفيذ خطتها الهجومية بموافقة دولية.. او هكذا تتصور واشنطن. لكن السيناريو لن يكون بهذه البساطة على الصعيد العملي. فإدارة بوش كما يبدو موعودة بمفاجآت في مجلس الامن الدولي. أجل.. سوف يتخذ القرار غالبا باجماع الدول الخمس الكبرى ذات العضوية الدائمة في مجلس الامن.. مطالبا العراق بالانصياع دون قيد او شرط ومتضمنا الموعد النهائي لهذا الانصياع، لكن بعد ذلك قد لا تسير الامور كما تتصور واشنطن. فحتى لو رفض العراق القرار رفضا كاملا فإن هذا لن يعني تلقائيا صدور قرار آخر في المجلس باعتماد العمل العسكري.. فالدول الثلاث الكبرى المتعاطفة مع العراق ـ فرنسا وروسيا والصين ـ قد تقترح اجراء تأديبيا آخر لا يرقى الى مستوى توجيه ضربة عسكرية الى العراق. ثم ماذا يكون الحال لو قبلت بغداد بعودة التفتيش دون قيد او شرط انصياعا للقرار الاصلي؟ «الشيطان في التفاصيل» كما يقولون. فإذا قبل العراق قرار عودة المفتشين دون قيد او شرط فإن هذا لن يكون خاتمة قصة بل في الحقيقة بداية قصة جديدة تحت عنوان «التفاصيل الفنية».. مما يشكل مفاجأة اخرى لادارة بوش. فالقرار يحتاج مثل اي قرار دولي كبير صادر عن مجلس الامن الدولي الى لائحة اجرائية تحكم طريقة تطبيقه على الارض. هنا قد تطالب روسيا، ربما بتأييد فرنسا والصين، بجدول زمني يحدد لفرق التفتيش فترة معينة للفروغ من مهمتها ـ ستة شهور مثلا ـ حتى لا يستمر التفتيش الى الابد. ولقد سبق ان صدرت تصريحات عن وزير الخارجية الروسية قبل نحو عشرة ايام تطالب بربط عملية التفتيش برفع نظام العقوبات.. بمعنى انه اذا انتهت نتائج التفتيش الى خلو العراق من اسلحة الدمار الشامل فإن مجلس الامن الدولي يجب ان ينظر في ضوء هذه النتائج في رفع العقوبات عن العراق نهائيا. وربما تطالب فرنسا بتأييد روسي وصيني من ناحية اخرى باعادة تركيب عضوية فرق التفتيش في ضوء التجربة السابقة التي ثبت من خلالها ان هناك اعضاء في تلك الفرق كانوا يمارسون لحساب الاستخبارات الاميركية والاسرائيلية نشاطا تجسسيا في الاراضي العراقية لا علاقة له اطلاقا بأسلحة الدمار الشامل. ولقد اثبتت تلك التجربة ان هذا الانحراف ما كان من الممكن ان يتبلور لولا ان غالبية عضوية فرق التفتيش كانت من عناصر اميركية وبريطانية. هذه هي المعركة الدبلوماسية التي تنتظر جورج بوش على الصعيد الدولي. اما على الصعيد المحلي الاميركي فإن بوش يواجه معارضة قوية من الاغلبية «الديمقراطية» في الكونغرس. واذا كانت المعارضة الدولية المتنامية تجعل من الصعب على بوش ركوب مغامرة عسكرية ضد العراق فإن المعارضة الداخلية تمثل عائقا اصعب. فالرئيس سيكون بحاجة دستورية الى ضوء اخضر من الكونغرس قبل ان يتمكن من شن حرب خارجية.