العدوان على العراق قريب ونحن نعرف أنه يشكل خطورة كبيرة على بلد ما زال تحت الحصار والعدوان المستمرين، وانه سوف يلحق به خسائر بشرية ومادية لا طاقة له بها، وأن تلك الخسائر لن تتوقف عند حدود. وأن العدوان لن يتوقف عند حدود العراق وانما سيتعدى تلك الدائرة في مراحل لاحقة الى بلدان عربية واسلامية أخرى، وسيتناول دوائر الاعتقاد والثقافة والهوية والانتماء الوطني والقومي. ومسوغات العدوان على العراق الذي يرتب بحجة امتلاكه، أو محاولة امتلاكه، لأسلحة ذات قوة تدميرية شاملة يهدد بها جيرانه وحلفاء الولايات المتحدة الأميركية والسلم العالمي والولايات المتحدة الأميركية ذاتها، فضلاً عن كونها هراء أميركياً معهوداً فانها لا تدل على توازن منطقي وأخلاقي فيما لو صح توجهها. اذ لو كانت الحرب على أسلحة الدمار الشامل لوجب على العالم كله أن يحارب الولايات المتحدة الأميركية التي تملك من تلك الأسلحة ما يكفي لتدمير الكرة الأرضية ومن وما عليها عدة مرات، والولايات المتحدة الأميركية تهدد العالم وتعربد في أرجائه مستفيدة من امتلاكها لذلك السلاح!؟ ولو كان الأمر كذلك فعلاً، أي محاربة من يملك أسلحة تدمير شامل بهدف نزعها، لوجب محاسبة الكيان الصهيوني أولاً الذي يمتلك ما يزيد على أربعمئة رأس نووي وأسلحة ذات قوة تدميرية أخرى وصواريخ بالستية وغواصات نووية تطلق صواريخ تحمل رؤوساً نووية، وهو كيان قام على الارهاب ويحتل أرض الغير بالقوة، وقد اجتاح أراضي أربعة دول أعضاء في الأمم المتحدة واحتل احدى العواصم العربية ـ بيروت ـ وما زال يمارس الارهاب الأميركي ـ الصهيوني صباح مساء على الفلسطينيين العزل؟!. ولو كان الأمر يتصل بخروج العراق على قرارات مجلس الأمن أو على 16 قراراً منها كما يقول الرئيس بوش فان الكيان الصهيوني استهتر بما لا يقل عن سبعين قراراً للأمم المتحدة ومجلس الأمن وهو يلقى التأييد بسبب ذلك من الولايات المتحدة الأميركية ذاتها، ومجرمه الأول شارون يجد فيه الرئيس الأميركي جورج بوش قدوة حسنة ويستثير اعجابه لأنه متطرف في محاربة الفلسطينيين، ولو كان الأمر يتعلق بطغيان ففي بلدان كثيرة طغيان، ونحن لا نؤيد الطغيان في أي بلد، ولكن معالجة ذلك تكون من شأن البلدان ذاتها وبمساعدة دولية لا ترقى الى العدوان على الشعوب وانتهاك سيادة البلدان. واذا كان ذلك العدوان يتأسس على مقاومة الارهاب وممارسيه فان أكبر قوة تمارس الارهاب هي الكيان الصهيوني وأكبر راعي للارهاب المتمثل بالقتل لأسباب سياسية وبالاحتلال لتحقيق مشاريع سياسية ـ استيطانية ـ عنصرية هو الولايات المتحدة الأميركية. واذا كان الأمر يتعلق بمقاومة ثقافة وعقيدة يقال انهما تؤسسان لتكوين بشري ارهابي فان المحاكمة المنطقية واستقراء التاريخ يفيدان بأن ما في التلمود وحتى التوراة المزيفة، وفي ما يقوم به أتباع المسيحية ـ اليهودية في الولايات المتحدة الأميركية حصراً اليوم، وفي تاريخ الولايات المتحدة الأميركية وحروبها العدوانية على الشعوب، وممارسات أجهزتها، ما أسس ويؤسس لارهاب مقيت ولعدوان مستمر على الثقافة والأديان، وهو ما تقوم به الادارة الأميركية وحليفاها الصهيوني والبريطاني اليوم. لكن من الصعب أن تحاور عقلاً منفلتاً من ضوابط المنطق والأخلاق محاكمة منطقية، وهذا هو الشأن مع الصهيوني والأميركي، والأول يقود الثاني اليوم الى التردي الخُلقي، بل الى الهاوية غير الخلقية التي يغرقان بها ويريدان أن يغرقا العالم العربي والاسلامي بها، تحقيقاً لأساطير تزري بالعقل والمنطق والعلم والانساني والأخلاقي، ووصولاً الى أطماع وأغراض ليس لها أدنى صلة بالانساني والحقاني والعادل والحر والمحرر. انه منطق مأفونين مفتونين بالقوة، لا عقل لهم ولا ذمة لديهم ولا ايمان بقيمة انسانية رفيعة، يملكون قوة منفلتة من عقال الضمير والدين والخلق والعقل، ويتوهمون أنهم العادلون والمحررون، وأنهم الدين والعدل والخلق وتلك هي الطامة الكبرى؟! ويبدو لي أنه من الصعب أن تضعهم أمام حقيقة ما هم ليتوقف العدوان واعصار الشر، ومن الصعب التوصل معهم الى تغيير لما هم فيه وما هم عليه من اعتقاد ومن نظرة وموقف حيال الآخرين، فذلك يحتاج الى زمن ويحتاج الى امكانيات وسياسات.. الخ.. وهم يستنفدون طاقتهم في الحشد للعدوان الذي أصبح على الأبواب. وربما كانت أكبر مشكلة لمعظم الأميركيين ـ أعني الشعب الأميركي ـ هي جهلهم الفاضح بما تقوم عليه وبما تقوم به سياسة بلادهم الخارجية، وبالأهداف الاستعمارية الاستغلالية البغيضة البعيدة لتلك السياسة، وما تنطوي عليه من ظلم واستغلال وقهر وعدوان وغطرسة، وهو ما يعود بمنفعة على احتكارات النفط والسلاح بالدرجة الأولى ويؤدي لخدمة مصلحة أميركية ذات أولوية متقدمة هي المشروع الصهيوني، الذي يقوم على أرضية اعتقادية بالية يأخذ بها بعض الأميركيين المتنفذين من أتباع بعض الكنائس. ان عدم معرفة الأميركيين للآخرين معرفة موضوعية جيدة وعميقة من أسس الداء، وادعاؤهم المفرط بأنهم يعرفون كل شيء وأنهم على حق فيما يقومون به ويدعون اليه، وأنهم مكلفون من الله برسالة لا يعرفون من يرسمها لهم، وأن الله معهم وحدهم ولهم وحدهم في كل شيء، وأنهم الوحيدون العادلون والمؤتمنون على الحرية والمدافعون عنها والعاشقون لها والمسؤولون عنها في أنحاء العالم، هو الداء القتال الذي ينتشر سرطانياً في أدمغة شبه مغلقة على ذاتها ورؤاها وضمائر معطلة. تلك أفكار ومعتقدات تنعكس في مواقف الأميركيين وتقبع وراء انسياقهم الأعمى وراء الشركات التي تصنع الرأي العام وتملك وسائل الاعلام التي تقودهم الى المواقع المطلوبة لمالكيها والمسيطرين عليها والمنتفعين بها ومنها. وعندما تستمع الى الرئيس جورج بوش وتتابع خطواته ومواقفه التي تنحصر هذه الأيام بتأييد مطلق للارهابي شارون وما يرتكبه من جرائم في فلسطين المحتلة من جهة، وانسياق أعمى وراء مطلب شن حرب تدميرية على العراق لا تتوقف عند حدود العراق ـ وهو مطلب صهيوني بالدرجة الأولى ـ تجد نفسك أمام أنموذج من الحكام المسحورين بفكرة نداء التاريخ لهم ليستخدموا قوتهم في خدمة ما يعتقدون أنه الخير في مواجهة الشر، وأن ما يقومون به رسالة مقدسة والهية وتاريخية بمقدار ما تكون أميركية ودينية وصهيونية عنصرية؟! وحين تحاول مقاربة المعطيات التي يبنون عليها تجد أنهم يريدون الاستفادة المطلقة من امتلاكهم لقوة لا يملكها الآخرون ـ لاسيما العرب والمسلمون ـ ليصفوا حسابات تاريخية معهم، حرب صليبية كما أفلتت من لسان بوش الرئيس، وهم يريدون الآن رأس العراق والدول التي يقولون انها ترعى سالارهاب س ـ أي تؤيد مقاومة مشروعة للاحتلال الصهيوني للأرض ودفاعاً عن النفس والمقدسات ـ ويريدون رأس الاسلام الذي سيعلم الارهاب ويدعو اليهس من وجهة نظرهم ووفق فهمهم المحدود القائم على الجهل والتجاهل والتجهيل واستقرار العداء واستمراره للتاريخ العربي وللاسلام؛ كما يريدون التخلص من كل من لا يوافقهم في الرأي ولا يرى فيهم مخلصي العالم وسدنة الحرية والعدالة والحقيقة في أرجائه، وكل من لا يركع أمام سياط يرفعونها على من يقف بوجه مصالحهم مدافعاً عن مصالح بلده وأمته ومقومات حياته وهويته وشخصيته !؟. ان الادعاء الأميركي بالدفاع عن الحرية والمحافظة على السلام ادعاء حسن اذا كان يقوم على منطق متوازن وثوابت خلقية ومعايير سليمة ومصطلحات دقيقة وتطبيق صحيح، ولكن وضع ذلك على المحك يجعلنا أمام كارثة في المنطق والمعايير والأحكام، ومقاربته تقود الى استنتاجات وأحكام ومعطيات متناقضة لا تسوغ حكماً صحيحاً يُرْكَن اليه. ويمكن أن نتوقف لنحاكم بعض تلك المواقف والمعطيات: انهم يريدون رأس العراق لأن فيه حاكماً مستبداً ظلم شعبه، ولأنه يسعى لامتلاك أسلحة ذات قوة تدميرية شاملة قد تكون بحوزته بعد سنوات، وعليهم ألا ينتظروا حتى يمتلكها ويستخدمها، وأنه هدد جيرانه؛ وهو بهذا قوة شريرة تهدد الأمن والسلام والمنطقة والولايات المتحدة الأميركية ذاتها ودول العالم!؟ وحين تسأل: هل حاكم العراق هو الوحيد الطاغية الذي تقاومه الولايات المتحدة الأميركية ؟! يأتيك جواب مضحك حتى في تاريخ الرجل ذاته مع الولايات المتحدة الأميركية ذاتها؟! ان من العبث اليوم تضييع الوقت في انتظار الحكمة والحلم من ثور هائج يريد أن يستغل قوته وضعف الآخرين ليصل الى أهداف سياسية واقتصادية وعسكرية وثقافية ودينية. واذا كان العراق ومن هم في جوار العراق من عرب ومسلمين ممن لم يقعوا بعد تحت السيطرة الأميركية هم المستهدفون فان المنطق يفرض أن نفكر في كيفية مواجهة العدوان ـ الكارثة بما يخفف من وقعها ونتائجها، ان لم يفل عزمها ويبطل شرورها. والمدخل الى ذلك أن نرى حقيقة أننا مستهدفون بوصفنا أمة وبوصفنا ثقافة وعقيدة دينية ومصالح وثوابت وطنية وقومية وقضية عادلة هي قضية فلسطين، وأن حلفاء أميركا ومعاهدي الكيان الصهيوني أو مصالحيه اليوم هم أعداؤه غداً، وأن هذه الحرب تستهدف الجميع على مراحل، والتصدي لها مجتمعين اليوم خير من التصدي لها فرادى وفق المراحل التي يحددها المعتدي. صحيح أن الحرب ليست في مصلحتنا ولكنها مفروضة علينا كما يعرف العالم ويسمع ويشهد، فما الذي نستطيع فعله ولم نفعله، وما الذي نستطيع قوله ولم نقله.. ورغم ذلك لم يتوقف قدر الشر الأميركي ـ الصهيوني عن الفوران!؟. هل صدام حسين هو المشكلة، وأن تنحيه عن الحكم يحل الاشكال؟! الولايات المتحدة الأميركية ذاتها تقول ان المستهدف هو قوة العراق وما يملكه من أسلحة، حسب ادعائها، والمستهدف أيضاً هم من تصنفهم الخارجية الأميركية والكيان الصهيوني في قوائم الارهاب. وفي هذا النطاق هل يمكن القبول بأحكام شارون والخضوع لمطالبه من الأمة بالقضاء على أية قوة عربية وعلى المقاومة وعلى الروح القومية وعلى العقيدة ـ الاسلام ـ لأنه يحث على الكرامة والعدل ومقاومة الظلم والدفاع عن النفس والمقدسات!؟ ان دعوة للأمة لكي تكون صفاً واحداً بوجه العدوان الأميركي ـ الصهيوني ـ البريطاني على أي قطر من أقطارها هي من تحصيل الحاصل، فهناك قرار مؤيد مرات ومرات من جامعة الدول العربية باعتبار العدوان على العراق أو أي قطر عربي عدواناً على البلدان العربية كلها، ولكن العبرة في التطبيق، لذلك فان الدعوة تنصب الآن على تحويل هذا القرار الى حقيقة على أرض المعركة: عسكريا واقتصادياً وسياسياً وثقافياً واعلاميا.. فهل نشهد ولادة جديدة تحت النار لدفاع عربي مشترك وموقف عربي موحد يتجاوز الشعارات والبيانات؟! والدعوة أيضاً مرفوعة للقادرين عليها من حكام الأقطار العربية لكي يقيموا علاقات عادلة وصحيحة وصحية وقانونية وشرعية ودستورية مع شرائح الشعب كلها في كل قطر، والى فتح حوار بناء مع المعارضات التي لا تختار مواقف العمالة والسير في ركاب الأعداء. ان من حق أي مواطن عربي أن يكون آمناً مطمئناً في وطنه، يتمتع فيه بالحرية والكرامة والأمن من جوع وخوف، وبالحقوق والحريات التي تقرها الدساتير والقوانين المرعية، ومن حقه أن يعبر عن رأيه وموقفه في حدود القوانين، وأن يدعو الى تعديلها وفق الدستور، وان يمارس الديموقراطية بحرية مسؤولة والحرية بديموقراطية سليمة، ولكن ليس من حق أحد أن يتآمر على الوطن وأن يقف مع العدو الأميركي ـ الصهيوني، أو أي عدو في أي وقت ضد بلده تحت أية ذريعة.. ومن يفعل فذاك هو الخائن في كل عرف وقانون وشريعة وتشريع. ان الوقت وقت وفاق وعمل ومواجهة، وقت وعي بما للذات وللغير وللوطن من حقوق، وما على كل فرد من واجبات.. وعلى الأنظمة والحكام أن يقودواـ لا سيما في أوقات الخطر والشدة ـ الى التضامن والقوة والوحدة وسلامة التفكير والتدبير والتوجه والمواجهة، ونحن اليوم بأمس الحاجة الى عقل وتصرف وحكمة وعمل من هذا النوع وفي هذا الاتجاه.. فهل الى ذلك من سبيل وطبول بوش والمجرم شارون والذيل البريطاني بلير تقرع بالحرب الشريرة تحت لواء الحرب العادلة، وكل تفكير خاص يستدعي تدبيراً خاصاً؟! اننا أهل لأن نكون وأن نصمد وأن ننتصر في هذه المواجهة فالحرب ليست سلاحاً فقط وإنما هي ارادة وايمان وثقة بالنفس والحق والنصر أيضاً. وينصر الله من ينصره. ـ رئيس اتحاد الأدباء والكتّاب العرب