«انهى الرئيس الفرنسي المقابلة بتفحص مجموعة او مجموعتي الاوراق الملقاة على مكتبه باهتمام، وكأنه قد وضع بينهما بطريق الخطأ شيء بالغ الاهمية» جاءت هذه العبارة على لسان ديك فلوبيجان، ويعمل كاتبا بمجلة خاصة بأخبار التلفزيون، وقد اضاف على تلك العبارة قوله: كان ذلك بعد انصراف احد معاونيه، فجأة التقط الرئيس سماعة الهاتف، وادار مقعده ليكون في مواجهة النافذة. لقد كنت منذ دقيقة اجري حواراً تاريخيا، واصبحت بعد لحظة في عداد الماضي. ان النتيجة التي توصل اليها الكاتب «ديك» كانت نتيجة صحيحة بنسبة 100%، ذلك ان الرئيس الفرنسي استخدم الاشارة الرمزية ليقول له بلغة الجسد لقد انتهت المقابلة!! والصحيح ان لغة الجسد هي اصدق الاشارات التي يلتقطها الطرف المقابل، وهي وحدها القادرة على التعبير عن مشاعره الحقيقية بعيداً عن التستر وراء اقنعة الحديث الزائف، لان الكلمات في حالات عديدة تؤدي عملها بكفاءة اقل من كفاءة حركات الجسم، وتعابير الوجه التي يصعب على الفرد ان يتحكم بها في اغلب الحالات!! ولقد اشتغل علماء كثيرون، وباحثون نفسيون بدراسة نسبة تأثير لغة الجسم بين نسب التواصل الانساني، وتوصلوا الى نتائج مهمة يمكن توظيفها في اتجاه نمو العلاقات الاجتماعية بعيدا عن الوسائل اللفظية التي عادة ما تكون وسائط شديدة الوضوح الى الدرجة التي قد تفسد ما بين الافراد، حين يختار صاحبها اللغة الانفعالية المتشنجة المصحوبة بكلمات ديناميتية يعجز بعدها الانسان ان يداوي ما اثخن من جراح القول، او يصلح ما افسد من المشاعر والاحاسيس!! فلقد استحوذت اشارات الجسم وتعابير الوجه على نسبة 55%، واستأثرت النبرات الصوتية على نسبة 38% من التأثير على السامع، وجاءت الالفاظ في المرتبة الثالثة حيث انها نالت 7% فقط من نسبة تأثير الرسائل التعبيرية التي يبعثها الفرد للآخرين. والذي اود ان الفت اليه نظر القاريء هو التركيز على دور هذه المؤثرات الحسية غير اللفظية على الطرف المقابل، وقدرتها على ايصال التأثير المطلوب دون الحاجة الى اللجوء الى الاشارات اللفظية التي ليست دائما هي الخيار الافضل في جميع الاوقات والظروف. ومن المؤسف ان كثيرين من الناس وعلى رأسهم الاباء والامهات قد عطلوا او همشوا دور هذه الوسائط الأمينة في انجاز مهمات تربوية فائقة القيمة دونما اي حاجة الى استنزاف العواطف، او استهلاك المشاعر في معارك كلامية كثيراً ما نبرع فيها كأمة تجيد الحديث اكثر من اي شيء آخر!! وبينما يستصحب الحكماء من المربين الواسطة الاكثر قدرة على انجاح مهمتهم الابوية بكفاءة وبأقل الآثار السلبية التي قد تصاحب حالات التأديب والتوبيخ ولفت انتباه الابناء او البنات الى اخطاء صادرة منهم، يصر المستعجلون من الآباء والامهات على استخدام عصا الكلمات الغليظة وسوط الالفاظ النابية ليعالجوا موقفا بسيطا لا يحتاج لاكثر من نظرة صارمة تقول للمخطيء قف مكانك، والتزم حدود الادب، ولا تخترق النظام والقواعد الاخلاقية. نعم، يمكن للنظرة المصوبة بأحكام الى عيني طفل مشاكس او مراهق صعب المراس ان تفعل الكثير دونما حاجة الى جرح مشاعره او الدخول معه في صراع غير متكافيء. اذ ان كفة القوة المادية في ايدي الآباء والامهات هو ما يعرض الولد او البنت اطفالا كانوا ام مراهقين الى الشعور بالضآلة والضعف امام سلطان الاب وسطوة الام، والكلمات النارية التي تطلق من عقالها الى غير هدف معلوم إلا استفزاز مشاعر ذلك الذي بدر منه السلوك الشائن، واضعاف معنوياته. مما قد يكرس لديه حالة من التقييم السلبي لامكاناته وقدراته الخاصة، ويصيبه بشكوك مختلفة في درجة تقبل ابويه له اذا ما استمر الحال بين الطرفين يمضي على هذه الوتيرة، كلما بدر من الابن او البنت نوع من التقصير!! ويمكن للعبة شد الحبل هذه ان تستمر الى ان تخور قوى ذلك المتجاوز للحدود الحمراء، الذي شاء له حظه ان يكون ابنا لاسرة لا تؤمن بقول الشاعر الاديب: تكفي اللبيب اشارة مرموزة وسواه يدعى بالنداء العالي واننا لكي نربي الذوق في ابنائنا وبناتنا، والشعور المرهف تجاه الاخطاء، والحساسية المتناهية تجاه ارتكابها علينا ان نستخدم لغة الجسم بذكاء وايجابية وتحفظ شديد من خلال لجم جماح اللسان الهادر الذي يمثل لدى الكثيرين حصانا جموحاً لا يستأنس او يروض او يلين!!