المتعارف عليه هو أن منصب نائب رئيس الولايات المتحدة يكون في العادة صورياً ودوره رمزياً. والشائع هو أن تكون العلاقة بين الرئيس ونائبه اما باردة أو متوترة أو معدومة كما حدث مع جميع الرؤساء الذين تعاقبوا على البيت الابيض. إلا أن الرئيس بوش الابن الذي فاجأنا ولايزال يفاجئنا في كل يوم شذ عن القاعدة. فهذه هي المرة الاولى في التاريخ السياسي التي يتحول فيها رئيس الولايات المتحدة الى لعبة في يد نائبه. فخلف الكواليس غالباً ما تكفي إيماءة صامتة او هزة رأس أبوية من ديك تشيني للرئيس بوش لاتخاذه اي قرار مهم فهو يستشيره في كل صغيرة وكبيرة. والدور القيادي الذي لعبه تشيني يوم الحادي عشر من سبتمبر ـ من مخبئه ـ في الوقت الذي أقلت فيه طائرة حربية الرئيس الاميركي بعيداً عن واشنطن الى مكان سري كان له تأثير حقيقي في مجرى الاحداث، فهذا الاصرار العجيب على مهاجمة العراق وكل هذا الخبث واللعانة التي تبديها اليوم الادارة الاميركية ليس وراءها سوى ديك تشيني. وشتان بين تشيني نائب الرئيس الحالي وبين النواب السابقين مثل جون جارنر اول نائب للرئيس الاسبق فرانكلن روزفيلت الذي كان يتذمر ويشتكي من ان العمل لا يستحق حتى بصقة من فمه او بينه وبين هيوبرت همفري نائب الرئيس ليندون جونسون الذي عبّر عن احساسه بالعزلة في هذا المنصب الى حد أنه قال ان عمله هو أشبه بالوقوف عارياً في مواجهة عاصفة ثلجية دون ان يكون لديه شيء أكثر من عود كبريت يتدفأ به. اما من ناحية نوع العلاقة التي سادت بين الرؤساء الاميركيين ونوابهم فقد كانت ابعد ما تكون عن الانسجام. فالرئيس دوايت ايزنهاور كان يزدري نائبه نيكسون وهذا الأخير كان يصف نائبه سبيرو أجنيو بالمعتوه وجون كيندي لم يكن يحب نائبه ليندون جونسون ورونالد ريجان لم يكن يثق بجورج بوش الاب، وهذا الأخير ندم على اختياره دان كويل نائبا له وبيل كلينتون شعر بأن آل جور خذله، وذلك بخلاف التوافق والانسجام الشديدين بين بوش ونائبه تشيني الذي يحبه ويثق به ويدافع عنه. فحتى عندما ثارت حول تشيني الشبهات واتهم بالتلاعب المالي أثناء شغله منصب الرئيس التنفيذي لشركة هاليبيرتون احدى كبرى شركات النفط في تكساس هب بوش لنصرته واكد امام الملأ ان ثقته كبيرة بنائبه الذي يرى أنه يؤدي عمله بصورة رائعة على حد تعبيره. وجزء كبير من ذلك يرجع إلى ان تشيني اوضح منذ البداية عدم رغبته في ترشيح نفسه رئيساً للولايات المتحدة واصبح بالتالي خارج المنافسة. وبالرغم من ذلك ليس مستبعداً ان يصبح بوش الابن الذي تشهد فترة رئاسته افظع واعجب الاحداث التي تسجلها صفحات التاريخ أول رئيس أميركي منذ 28 عاما يقوم بتغيير نائبه عند ترشيح نفسه لفترة رئاسة ثانية إذ يتوقع ان يتم التذرع بظروف تشيني الصحية كسبب لتغييره مع انه بخير وقط بسبع ارواح. فالنوبات القلبية الاربع التي تعرض لها خرج منها كلها سالماً وهو كما ترون يصول ويجول كالحصان بعد ان تم تركيب جهاز لضبط ضربات قلبه. الا انه في حال فوز بوش ـ لا قدر الله ـ بفترة رئاسة ثانية فإنه من غير المتوقع ان يعود الخبيث تشيني معه بسب سمعته التي تلطخت بالقضايا المالية والتي يمكن ان تكون عبئاً ثقيلاً على الرئيس الذي لا يريد ان يؤثر اي شيء في فرصه بالفوز. الجدير بالذكر ان نائب الرئيس الحالي كان نفسه المسئول عن اسقاط نائب أسبق، فعندما اعرب نيلسون روكفيلر نائب الرئيس الاسبق فورد عن شعوره بأنه كان ينبغي ان يكون هو الرئيس، عوقب على ذلك بتغييره عندما سعى فورد لفترة رئاسة ثانية وتم استبداله ببوب دول، وكان ذلك طبعاً بتحريض من كبير موظفي البيت الابيض آنذاك الذي لم يكن سوى ديك تشيني، ألم أقل لكم كم هو خبيث ولعين!