كان القرن العشرون قرن صراع الأيديولوجيات بامتياز وشكل الصراع بين الرأسمالية والفاشية السمة الرئيسة للنصف الأول منه، فكانت الحربان العالميتان الأولى والثانية جولتين حاسمتين اختفت بعدهما الأنظمة الفاشية في الغرب واليابان. ورغم أن صراع الهوية كان جزءا من بنية الصراع بين الرأسمالية والفاشية فإنه لم يكن السمة المميزة للصراع، ولعبت الانتماءات القومية والمذهبية والدينية أدوارا شديدة الأهمية في هذا الصراع. وبينما كانت الأنظمة الفاشية في ألمانيا وإيطاليا واليابان وغيرها أنظمة قومية حلولية شديدة العداء للدور الذي تقوم به المؤسسات الدينية في المجتمع فإنها، وبصفة خاصة النظام النازي، استخدمتها كورقة لاكتساب المشروعية فأنشأت كنيسة «نازية» إذا جاز التعبير. وبطبيعة الحال لم تكن المصالح غائبة عن هذا الصراع ولكنها لم تكن أبدا محركه الرئيسي. وخلال النصف الثاني من القرن العشرين كان الصراع بين الرأسمالية والشيوعية السمة المميزة فانقسم العالم إلى معسكرين كل منهما يحاول التبشير بأيديولوجيته. وفي هذا المناخ الحافل بصخب الصراع الأيديولوجي ولد الكيان الصهيوني متحالفا مع الأيديولوجية الرأسمالية بصفة أساسية. ومع مطلع القرن الحادي والعشرين يكاد الصراع الأيديولوجي يختفي ليحل محله صراع الهويات. صحوة الهويات وقد راهن محللون كثيرون على أن زوال الصراع الأيديولوجي بهزيمة أحد طرفيه سيؤدي بالضرورة لأن تكتسح الرأسمالية «الأيديولوجيا المنتصرة» العالم لتصبح خيارا عالميا يظهر بانتصاره «المواطن العالمي» وفق الشروط الرأسمالية. ولأن التاريخ لا يسير وفق قانون خطي بسيط تغير ميدان الصراع تماما وفقدت الأيديولوجيا بريقها أو كادت، وضمن ذلك الأيديولوجيا المنتصرة نفسها، ونزعت مجموعات سكانية كثيرة في العالم المتقدم والمتخلف على السواء نزوعا متفاوتا بلغ أحيانا حد التطرف نحو تأكيد هويتها. كان مفهوما أن يؤدي زوال الاتحاد السوفييتي لظهور قوس قزح من الهويات التي حجبتها الامبراطورية الغاربة وكان طبيعيا أيضا أن يصبح مواطنو هذه الجمهوريات أمام أسئلة لا تحسمها الأمم عادة في لحظة كاختيار اللغة، فاختار بعضها الحرف التركي واختار بعض آخر الحرف اللاتيني وهكذا. وبرز حضور الهوية بشكل شديد الوضوح في الموقف الروسي من الصراع في البلقان، حيث بدا إلى حد كبير الدور الفاعل للمذهب والعرق في صياغة الموقف الروسي الرسمي من هذا الصراع. وفي إطار عملية تحلل للكيانات السياسية التي قامت على اجتماع مجموعات سكانية مختلفة تشكل الدولة بالنسبة لها إطارا لهوية سياسية تحجب هويتها الثقافية بمعناها الشامل، ظهر صراع الهويات واحتل واجهة المشهد السياسي، واكتشفنا فجأة أن تشيكوسلوفاكيا دولتان وأن يوغوسلافيا عدة دول وأن ما يجمع دول البلطيق (أستونيا ولاتفيا وليتوانيا) أضعف بكثير مما يفرقها. ومن الشمال للجنوب امتدت الظاهرة فانفصلت إرتريا عن إثيوبيا ثم انفصلت تيمور عن إندونيسيا. صناعة الاختلاف وتلجأ النخب السياسية غالبا عند إدارتها صراعات الهوية لتأكيد الاختلاف، والإلحاح عليه إن لم يكن موجودا لبلورة هوية وطنية أو قومية مختلفة تكون مرتكزا للانفصال عن المحيط الذي توجد فيه. وقد لفت نظر المحللين عند انفصال تيمور أنها على المستوى الاقتصادي لا تملك مؤهلات الدولة ورغم ذلك فإن النخبة السياسية في تلك الجزيرة التي تحمل لقب «أفقر دولة في العالم» لم تتجه لامتلاك مؤهلات الاستقلال الاقتصادي بل أولت اهتمامها الأكبر لبناء الهوية. وكما لعب الدين دورا في بناء حواجز بين سكان تيمور وبين إندونيسيا بدأت نخبة «التحرر الوطني التيمورية» تغذي مفهوم الاختلاف بقوة مايو 2002، واختارت تيمور الشرقية ـ ضمن مساعيها لخلق هوية خاصة بها تميزها عن إندونيسيا ـ اللغة البرتغالية لكي تكون لغة التعلم في المدارس والجامعات، ولكي تعطي للأمر مسحة من القداسة سمتها «لغة الثورة». ويشكو مواطنو تيمور من أنه سيكون من الصعب عليهم تعلم البرتغالية لأنهم يتحدثون الإندونيسية، ولكنها أصبحت إجبارية الآن. ودستور الدولة يعتبر البرتغالية ولهجة تيتوم المحلية الرئيسية اللغتين القوميتين برغم أن لهجة تيتوم تعتبر بدائية. البرتغالية أيضا لغة مستعمر وتعكس مثل هذه القرارات اندفاعا عاطفيا غالبا تكون له آثار مدمرة، فالمفاضلة بين البدائل المتاحة لم تأخذ شكلا موضوعيا بل استندت لمبررات عاطفية متشنجة، فللبرتغالية عند «قادة الثورة التيمورية» الوليدة (وهو تعبير فيه تجاوز شديد) مغزى آخر، فقد كان المتمردون التيموريون يتحدثون البرتغالية لتجنب الجواسيس !! أما قائدهم ـ الذي سيكون أول رئيس لأفقر دولة في العالم بعد نجاح تمرده زانانا غوسماو وهو شاعر أيضا ـ فهو مولع بالبرتغالية !! وبعيدا عن الاعتبارات العملية التي لم يؤخذ أي منها في الاعتبار فإن هجر اللغة الإندونيسية بوصفها «لغة المستعمر» لا يبرر فرض البرتغالية بقرار فوقي لأنها هي الأخرى لغة مستعمر أقدم !! واستخدام لغة لا يجيدها سوى 5 % فقط من السكان سيكون مكلفا كما سيكون مضيعة كبيرة للوقت. وحسب دراسة أعدتها الأمم المتحدة فإن نحو ألفي موظف سيكونون بحاجة إلى تعلم البرتغالية لإدارة شئون الدولة.وعلى المستوى العملي الأهلي يجدونها صعبة والمدارس لا تجد من يعلمها وعبر طالب بكلية العلوم عن نتائج هذا القرار بعبارة موحية يقول: «بدلاً من تكريس وقتي لدراسة الفيزياء والكيمياء أتعلم العد وتسمية أجزاء جسم الإنسان باللغة البرتغالية !». وتلخص إحدى الراهبات المأزق قائلة : «أنا كنت سأختار التيتوم كلغة رسمية، لأن هذه هي اللغة التي يجيدها معظم الناس لكني أعلم أن الناس يقولون إنها بدائية ولن يمكن تحديثها بسهولة» ، وتيتوم واحدة من نحو 30 لغة أو لهجة يتحدث بها سكان تيمور الشرقية، ومن المعتقد أن 82% يتحدثون بها بينما يجيد 43% اللغة الإندونيسية. ودافع وزير خارجية تيمور عن اللغة البرتغالية قائلا إنها اختيار أغلب المواطنين. حروب المرجعيات الدينية وفي الإطار نفسه قرر الرئيس الإرتري أسياس أفورقي منذ أيام فك ارتباط الكنيسة الأرثوذكسية في إرتريا عن مرجعيتها البابوية في أثيوبيا التي ارتبطت بها منذ عشرات السنين، وقرر إلحاقها بالكنيسة الأرثوذكسية في الإسكندرية الأمر الذي ساعد في تزايد المعارضة في صفوف نصارى إرتريا الذين تضررت مصالحهم بعد القرار. ورغم أن الكنيستين تتبعان مذهبا واحدا إلا أن القرار واحد من تجليات حرب الهوية التي تجعل بعض النخب تعتقد أن دورها هو تعزيز الإحساس لدى مواطنيهم بالاختلاف عن الآخرين وهو دور خطير ونتائجه ستكون أخطر. ـ كاتب مصري