لقد مرت ذكرى حادثة 11 سبتمبر على الإعلام العربي وكأنها ذكرى وقائع ضياع الأندلس!! فيما نحن قاب قوسين أو أدنى من ضياع أندلس جديدة اسمها فلسطين، فلم تغب الذكرى عن صحيفة أو مطبوعة أو فضائية، كما لم يغب عن وسائل الإعلام تلك صوت أو صورة أو قلم الأميركي المفجوع بتلك الواقعة، وان غاب عنها بصورة مباشرة لسبب أو لآخر فإن صاحب القلم (العربي) الوكيل المحلي بقراءة (الندبة) على الفاجعة قد حضر نيابة عنه بقوة. ولو أتيحت الفرصة لمراقب أو ملاحظ حيادي تماماً ان يرسم صورة لهذا المشهد الإعلامي عشية ويوم الذكرى، لاسيما على الفضائيات العربية (بإجمالها على الأقل) لخرج بانطباع يفيد بأن أميركا جزء لا يتجزأ من الوطن العربي الكبير عزيز على قلوب جماهيره، افتقده العرب لتقصير ارتكبوه في لحظة غفلة من التاريخ وعليهم جبران ذلك بتقديم القرابين ودفع الجزية وهم صاغرون ـ والعياذ باللّه ـ لعل ذلك يجعلهم يسترجعون بعض مكانتهم وموقعهم المتواضع لدى صاحب هذا الوطن الكبير وسيده!! قد يرى البعض فميا ذهبت اليه في تحليلي وقراءتي الآنفة نوعاً من المبالغة، لكنها صدقوني صورة مصغرة لدى البعض منّا على الأقل ونحن نمر بهذه الذكرى. نعم، فقد يكون من حقنا أن نتوقف عند هذه الواقعة كغيرها من الوقائع المهمة التي طبعت في ذاكرة الشعوب بسبب نوعيتها المتمايزة والمتميزة في الايقاع والتأثير على المجتمع والبلد الذي حدثت فيه. وقد يكون من حقنا ان نستنكر وندين الواقعة من حيث ان ظاهرها أصاب أعدادا كبيرة من البشر الآمنين بالأذى والألم والحزن وهم في غفلة من أمرهم وبعيدون ايضاً عن ساحة العمليات الحربية. ولكن ما ذنبنا وتقصيرنا نحن العرب والمسلمين ككتلة بشرية كبرى حتى يكتب علينا ان ندفع الثمن الأكبر والضريبة العظمى ليس فقط عمّا هو من تقصير وذنب الآخرين، بل وعمّا خسرناه نحن من كادر بشري متقدم وأموال ومقدرات أوطان بسبب تلك الواقعة والتي سببها أصلاً وبالأساس ظلم الآخرين وتعديهم علينا ونحن آمنون في أوطاننا وفي بيوتنا وفي أسواقنا؟! أليس من حقنا أن نسأل: من كان السبب الحقيقي وراء ذهاب مجموعة من الأشخاص الى ما وراء البحر مضحين بأرواحهم ومخاطرين بدينهم وعقيدتهم وأوطانهم للقيام بتلك المهمة المثيرة للجدل والتشويش والاضطراب على مر التاريخ؟! انه من السخف بمكان ان يظهر علينا توماس فريدمان وأمثاله والذين يجهلون حقيقة ديننا وحقيقة احوالنا، فيزعمون بأن «أولئك الارهابيين إنما قاموا بما قاموا به لأنهم مرضى نفسيون يكرهون الحداثة ومنتوجاتها ومن بينها الابراج والديمقراطية والتقدم والرفاهية ولأنهم حاسدون لا يريدون لأميركا هذا التقدم والرفاه فيما هم يعيشون في كهوف التخلف»!! وأنا هنا لا أزعم مطلقا ان ما قام به الـ 19 رجلاً في 11 سبتمبر عمل قابل للدفاع وصائب بالضرورة، بالرغم من ان البعض من أهل الرأي في مجتمعاتنا يعتبرونه اجتهاداً بمحله، إلا انني أزعم بقناعة أكيدة ان السبب الرئيسي وراء واقعة 11 سبتمبر هو ذلك الظلم المضاعف والمتراكم على أهلنا ومجتمعاتنا العربية والاسلامية على مدى المئة عام الماضية على الاقل، وان المسئول الاساسي عن ذلك الظلم هم أصحاب تلك الدار والامبراطورية المتجبرة التي اسمها أميركا. نعم، انها قضية سياسية بالدرجة الاولى، فكرية ايديولوجية بالدرجة الثانية، تربوية اجتماعية بالدرجة الثالثة والرابعة، ولم تكن دينية لا من قريب ولا من بعيد، وكذلك ليست قومية بمعنى صراع الاديان او القوميات او الثقافات. إنها محاولة خشنة وقاسية وعنيفة جدا للرد على مئة عام او يزيد كان كل يوم فيها عبارة عن فاجعة 11 سبتمبر خاصة بنا نحن العرب والمسلمين سواء كان ذلك على أرض فلسطين التي يسيل فيها شلال الدم الطاهر والبريء أو أفغانستان أو الشيشان أو العراق، والحديث طويل والتاريخ أطول حتى انه يعانق القرون والحروب الصليبية ومحنة الأندلس وتجارة العبيد ونهب الثروات التي لا تحصى. فلماذا كل هذه القساوة مع ابناء جلدتنا ان اخطأوا مرة وكل ذلك التسامح المجاني مع اعدائنا وهم يمعنون في ايلامنا وجرح مشاعرنا ومحاولات سحق هويتنا وضربنا في الصميم من عقيدتنا منذ قرون؟! كفانا تباكياً وندباً على 11 سبتمبر الاميركية وكفانا جلداً للذات على خلفية ما كان سببه غيرنا.. فنحن أمة دعت دوما ولا تزال ـ رغم المصائب والمحن التي لا تعد ولا تحصى ـ للحوار والتسامح وتعاطي الافكار والاعتراف بالآخر وقبوله عضواَ كامل العضوية في مجتمعاتنا حتى وهو يكفر بديننا ويلحد في الفكر والعقيدة. لقد كانت فرصة تاريخية لهم ولنا، لهم ليعتبروا ما حدث ويعتذروا لنا عما لحق بنا من اذى وكوارث على مدى مئة عام أو يزيد بعدما وصل الوجع والألم الى عقر دارهم، ولنا لنعتبر ايضا بأن السكوت على الظلم والاذى واستمراء الديكتاتورية والاستبداد والانغلاق واجبار الناس على رأي واحد قد يفجر يوماً كوارث ومصائب تهدم الملك والممالك والامبراطوريات. ولنتذكر الحديث الشريف «الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم». لقد ضيعت ـ كما يعتقد البعض ـ اميركا فرصة العمر خلال عام مضى على احداث 11 سبتمبر كان العالم من اقصاه الى اقصاه متضامنا معها في محنتها فلم تستفد من تلك الفرصة التي منحتها قلوب وافئدة الموالين والمعارضين، بل ضيعت خلال عام من السلوك المتجبر والمتغطرس والمتعطش للحرب حتى جاءت ذكرى الحادي عشر من سبتمبر لترى العالم وقد انفض من حولها حتى اصدقائها ولم تبق معها سوى بريطانيا العجوز. فيا اعلامنا العربي والاسلامي المسئول امام الله والتاريخ وامام الوطن والمواطن، تدارك لو سمحت ما فاتك في السنة المنصرمة. وقل كلمة الحق فيما حصل واستحضر فيما تستحضر للعام المقبل ما ابتليت به اوطننا من مجازر وكوارث وعمليات ارهابية على يد الاميركيين والاسرائيليين. ـ أمين عام منتدى الحوار العربي الايراني