لكل مقام مقال.. هذه هي الحكمة التي افتقدها خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش الى اجتماع الأمم المتحدة يوم الخميس الماضي، فالخطاب كان يليق بمناسبة انتخابية لا بحضور نخبوي دولي يمثل رجال الصف الأول للهيئات الدبلوماسية في العالم. لقد كانت الأسرة الدولية والعالم بأسره يترقب خطاب الرئيس الاميركي بتلهف لا مزيد عليه على خلفية توتر عالمي متعاظم حول المسألة العراقية أثارته الولايات المتحدة نفسها. وتضاعف التلهف عندما أخذ يتضح ان عزم واشنطن شن هجوم عسكري ضار على العراق يلقى معارضة دولية يتسع نطاقها يوماً بعد يوم. ولأن الولايات المتحدة باتت معزولة دولياً، إلا من تأييد رئيس حكومة بريطانية تسبح ضد التيار الوطني ورئيس حكومة اسرائيلية لا يجلب تأييده للرئيس الأميركي سوى المزيد من الشبهة الدولية، فإن ممثلي الأسرة الدولية المجتمعين في اطار الجمعية العامة للأمم المتحدة كانوا ينتظرون من رئيس الدولة العظمى ان يعرض قضيته ضد العراق مدعومة بأدلة وشواهد ذات مصداقية علمية لا تقبل الرد. ولكن عبر ثلاثين دقيقة من السرد اللفظي المرصوص ـ والعالم كله يرهف السمع ـ لم يقدم الرئيس الأميركي أي شيء جديد. فالخطاب لم يشتمل إلا على مجمل المعلومات الدعائية الصارخة التي ظلت تتداولها وسائل الإعلام العالمية نقلاً عن تصريحات كبار المسئولين في ادارة بوش. وإذا كان من المفهوم ـ وليس بالضرورة من المقبول ـ ان تبث هذه التصريحات من على التلفزيون والصحافة لأغراض التضليل الجماهيري فإنه ليس من اللائق ان يخاطب بها رئيس الدولة العظمى جمعاً نخبوياً من دبلوماسيي العالم. فما بالك و«المعلومات» نفسها غير صحيحة بنيت على فرضيات هي في أحسن الأحوال مشكوك في صحتها وفي أسوأ الأحوال غير موجودة اطلاقاً. لقد لخص الرئيس بوش هذه «المعلومات» في خمسة مطالب، هي: ـ ان على العراق ان يسحب ويدمر على الفور ومن دون شروط، جميع أسلحته للدمار الشامل وجميع صواريخه بعيدة المدى وجميع المعدات اللازمة. ـ أن يتوقف العراق على الفور عن دعم الارهاب والقيام بخطوات للقضاء عليه. ـ أن يتوقف عن اضطهاد المدنيين العراقيين خصوصاً الأقليات العرقية والمجموعات الدينية. ـ أن يسوّي الملفات الخلافية الناجمة عن اجتياح الكويت خصوصاً قضية المفقودين. ـ على العراق تسليم رفات الذين قتلوا (في حرب الخليج الثانية). ويلاحظ أول ما يلاحظ على هذه النقاط انها صيغت على أساس فرضيات يعرضها الرئيس الأميركي على العالم كمسلمات مفروغ من صحتها مع انها أبعد ما تكون عن ذلك. فعندما يطالب بوش العراق بسحب وتدمير أسلحة الدمار الشامل فإن الفرضية المطروحة وكأنها حقيقة ثابتة هي ان العراق يمتلك فعلاً مثل هذه الأسلحة، مع انها في أفضل الأحوال مجرد شبهة يتعين على الفرق الدولية للتفتيش عن الأسلحة اثباتها أو نفيها. أما المطالبة بأن «يتوقف» العراق على الفور عن «دعم الارهاب» واتخاذ خطوات «للقضاء عليه» فإنها تطرح تساؤلاً: هل تقوم بغداد فعلياً بممارسات ارهابية؟ وأي نوع من الارهاب؟ فإذا كانت الاشارة هنا هي الى تنظيم «القاعدة» فإن المسئولين الأميركيين أنفسهم نفوا أية علاقة بين العراق وهذا التنظيم. أما إذا كان الرئيس الأميركي يقصد ان حكومة العراق بتبرعها لأسر الشهداء الفلسطينيين إنما ترتكب عملاً ارهابياً.. فلماذا تحاشى الخوض في هذه المسألة متستراً وراء عبارات تعميمية غامضة ومبهمة. وإذا كانت ادارة بوش متأكدة من ان حكومة العراق تضطهد أقليات عرقية ودينية فإن عليها ان تبرز الدليل.. إن كان لديها دليل. ويلجأ الرئيس الأميركي مرة اخرى الى التستر بالعبارات المبهمة عندما يتحدث عن تسليم «رفات الذين قتلوا». فهو يشير ضمناً الى حادثة في حرب الخليج الثانية تتعلق بطيار أميركي أسقطت طائرته واعتبر رسمياً في عداد «المفقودين» ولكن الادارة الأميركية غيرت رأيها بعد سنوات لتصنيفه كأحد «القتلى» من أجل تحميل الحكومة العراقية مسئولية «قتله» بعد ان قرر بوش غزو العراق. وهكذا كان رئيس الولايات المتحدة يتلو على حضور دبلوماسي دولي خطاباً صيغ من أوله لآخره بأسلوب التلفيق المقيت. وما كان متاحاً للرئيس الأميركي خيار آخر لأنه أصلاً لا يملك قضية رصينة، وبالتالي ليس في حوزته أية أدلة يعتد بها. وإذا كان هذا الحضور الدبلوماسي الدولي المرموق قد أصيب بخيبة أمل.. فلاشك ان الرئيس الأميركي أيضاً يوجه اساءة الى ذكائهم.