أمر طبيعي أن يظل 11 سبتمبر تاريخا محفورا في ذاكرة الشعب الأميركي. فالطائرات التي اتجهت في صباح ذلك اليوم من العام الماضي لتدمير رموز أميركا التجارية والعسكرية والسياسية لم تقتل فقط الآلاف الثلاثة من الأميركيين، ولكنها قتلت معهم هذا الشعور الطاغي بالانتصار والأمن المستحيل اختراقه، وبددت الثقة في أن أعظم قوة في التاريخ لن يستطيع النيل منها أحد. وأمر طبيعي أن يظل 11 سبتمبر مشهودا بالنسبة للعالم الذي تعاطف مع الولايات المتحدة في محنتها، ووقف معها وهي تنتقم لما حدث لها، ثم وقف حائرا يرقب (الحرب ضد الارهاب) التي أعلنتها الولايات المتحدة الى حرب لاستكمال السيطرة الأميركية على العالم وفرض شرعية الكاوبوي الأميركية بديلا عن الشرعية الدولية. ولكن غير الطبيعي أن يشارك العرب في مولد (سبتمبر) بأن يكونوا مجرد أبواق تردد ما تنشده واشنطن من ترانيم الأحزان وأناشيد الثأر من العرب والمسلمين الذين اكتشفت أميركا فجأة أنهم ارهابيون بالفطرة وبالدين وأنه لا حل معهم الا بـ (أفغنة) العالم العربي, واستئصال كل خلايا المقاومة فيه ومحو العروبة من قاموسهم وإعادة انتاج (الإسلام) بالمواصفات الأميركية وفرض الديمقراطية على الدول العربية لتكون جميعها واحات للديمقراطية كما نظام قرضاي في افغانستان وشارون في فلسطين المحتلة! ومن غير الطبيعي أن تخضع وسائل اعلامنا المرئية والمقروءة للإبتزاز الأميركي، فتتحول إلى سرادقات للعزاء في ضحايا هذا اليوم المشهود، فتنسى ما يجري في فلسطين من مذابح، وما يتهدد العراق من دمار، وما ينتظر سوريا ولبنان من (حساب) أميركي عسير، وما تتعرض له مصر والسعودية من ضغوط أميركية حقيرة. وتتفرغ بعض الفضائيات (العربية) في محاولة جمع الأدلة الصحيحة أو المزورة لتدعيم الاتهامات الأميركية، ومحاولة الربط بين جماعة القاعدة والنضال الفلسطيني وتقديم ابن لادن على أنه الممثل الشرعي الوحيد للأمة الاسلامية.. لينتهي (الاحتفال) بمرور عام على أحداث 11 سبتمبر المؤسفة بالخبر (السعيد) الذي زفته إلينا واشنطن عن نقل قيادتها المركزية العسكرية الى قاعدة (العديد) في الشقيقة قطر. ويقينا فإن شيئا لم يتغير في العراق في الأسابيع والشهور الماضية.. فهو لم يهدد أحدا ولا هو قادر على ذلك، وهو لم يحقق خطوة استثنائية في امتلاك أسلحة الدمار الشامل أو الأسلحة النووية، وواشنطن تعلم ذلك ولكنها (الأجندة) الأميركية بعد ان انتهت في العام الاول بعد سبتمبر من افغانستان تحولت الى المنطقة العربية، والعراق هو هدفها الأول وليس الأخير! والقضية لا علاقة لها بأحداث سبتمبر ولا الارهاب، وقد عجزت كل المحاولات الاميركية للربط بين بغداد وتنظيمات (القاعدة) و(طالبان) ولم يعد هناك مفر من التحرك على المكشوف والاعلان على لسان نائب الرئيس الأميركي تشيني (ان من حق الولايات المتحدة كقوة وحيدة أن تقود العالم) وهذا يعني أن تعيد ترتيب هذا العالم وفقا لمصالحها، وقد تم هذا الأمر من قبل في شرق أوروبا وخلال العام الماضي أعيد ترتيب الأوضاع في وسط آسيا، والدور الآن على الشرق الأوسط وبعده أفريقيا. إن ذلك لا يرتبط بأحداث 11 سبتمبر الا من حيث استغلال هذه الأحداث لوضع المخططات السابقة موضع التنفيذ. فالحكم اليميني الصهيوني في أميركا لديه رؤية من البداية تقوم على فرض الشرعية الأميركية بدلا من الشرعية الدولية، ومحاولة الهيمنة على النظم الاقليمية واضعافها تمهيدا للسيطرة الكاملة على مقدراتها، وقد طورت واشنطن اساليبها بعد أحداث سبتمبر تحت شعار (الحرب ضد الارهاب) فأخرجت قوائم النظم المعادية، ثم أضفت الشرعية على استخدامها (ومعها اسرائيل) للقوة بصورة مطلقة لتحقيق أهدافها، ثم أعلنت أخيرا اعتناقها مبدأ الضربات الوقائية المسبقة (والذي استخدمته اسرائيل من قبل) لتبرر أي عدوان قادم لها، وهو ما سيطلق شريعة الغاب في العالم حين تعطي كل دولة لنفسها ماأعطته أميركا لنفسها من حق العدوان على أي دولة تحت زعم أن ذلك دفاع عن النفس ووقاية من عدوان آخر محتمل أن تشنه تلك الدولة الضحية! وهكذا صدر القرار الأميركي بضرب العراق، والأرجح احتلاله بعد ذلك واستغلال الامكانيات العراقية لاقامة نظام حليف لواشنطن وقاعدة متقدمة للعمليات الأميركية من أجل استكمال السيطرة على المنطقة. إن السيطرة على العراق بعد افغانستان تغطي التقدم الأميركي للسيطرة على نفط بحر قزوين من ناحية، وتضمن الهيمنة الأميركية على باقي الدول العربية وممارسة الضغوط على السعودية ودول الخليج وتحطيم (أوبك) واحتكار أميركا لنفط المنطقة. واحتلال العراق وما سيتبعه من ضربات لسوريا ولبنان ومنظمات المقاومة وفرض التغييرات المطلوبة في السعودية ومصر، سيضع كلمة النهاية على أي أحلام عربية في استقلال حقيقي أو وحدة مستقبلية. واذا كان ذلك يسعد اسرائيل فإن ما يزيد سعادتها هو الحديث عن ارتباط أو اتحاد أو وحدة بين الأردن والعراق الجديد قد يرتبط بقيامه موجة من تهجير الفلسطينيين في الكيان الجديد وتصفية مشكلة اللاجئين الفلسطينيين.. أو هكذا يأمل السفاحون في تل ابيب وحلفاؤهم في الادارة الأميركية! والسيناريوهات المطروحة كثيرة بعد ضرب العراق واحتلال أراضيه، والثمن الذي سيدفعه العرب في كل الأحوال فادح. ومع ذلك فالنظام العربي مازل يجتر عجزه ويكتفي ببيانات لا تساوي الحبر الذي تكتب به، وتحدثنا بعض العواصم العربية عن تضامنها مع العراق وهي تعرف أن قواعدها مفتوحة للطائرات الأميركية، وتنصحنا بعض العواصم بألا تغلبنا العواطف حين تقع الواقعة وأن نتعقل كما ستتعقل هي، وتفيدنا بعض العواصم الأخرى بالحقيقة الغائبة عن أبصار وعقول العرب أجمعين وهي أنهم قوم (لا حول لهم ولا قوة) وعليهم أن يرضوا بما ترضاه لهم أميركا وإلا كانوا من القوم الخاسرين! إن التاريخ سيذكر الخطاب الأخير للرئيس الأميركي بوش أمام الأمم المتحدة باعتباره الوثيقة الدولية التي تحولت فيها الولايات المتحدة من أمل للشعوب في عالم أكثر عدلا وحرية إلى امبراطورية للشر، ترث أبشع ما في تراث الاستعمار من احتقار للقانون وإيمان بالقوة التي تتحول في غياب العدل والحق الى بلطجة لم يعد يمارسها في العالم الا الولايات المتحدة ومعها حليفتها اسرائيل. وسيذكر التاريخ ان هذا الخطاب الذي جاء بعد عام كامل من حرب أعلنتها أميركا بإسم الحرب على الإرهاب هو خطاب إطلاق الحملة العسكرية على العرب ووضع (زلة اللسان) التي صدرت بعد 11 سبتمبر عن الرئيس الأميركي حين تحدث عن الحرب الصليبية التي يقودها موضع التنفيذ، وإذا كان الأمر التبس مع ضرب افغانستان، فإنه واضح تماما بالحملة على العرب التي تبدأ من العراق. سيذكر التاريخ ذلك.. ولكن ماذا عن الطرف الآخر من المعادلة.. ماذا عن العرب الذين لا يفعلون إلا مضغ عجزهم وهم يراقبون التحركات الأميركية، ويجدون أنفسهم بعد عام من سبتمبر وقد أصبحوا المتهمين الأساسيين بالارهاب، والمعرضين لضربات أميركا التي وضعت الجميع في طابور طويل يبدأ بالعراق ولن ينتهي حتى تتغير الخريطة العربية تماما بالصورة التي توافق مصالح أميركا وترضى عنها اسرائيل؟! أليس غريبا أن تعلن أميركا أن قرارها بضرب العراق لا رجعة فيه حتى لو عارضه العالم كله، وأن تعلن قائمة الدول العربية المستهدفة بعد العراق، وأن تكشف عن تصورها لعالم عربي لا يبقى فيه نظام يستطيع لا أن يعارض - لا سمح الله - قرارا أميركيا بل يتساءل عنه قبل التنفيذ، فالمطلوب أنظمة عربية عميلة لا حليفة، لا تناقش حتى قرار أميركا بتغيير مناهج التعليم الديني الإسلامي في مدارسنا. أليس غريبا أن يحدث ذلك، ومازلنا نتحدث عن الصداقة الأزلية مع أميركا؟! وأليس غريبا أن تعلن واشنطن عن نقل قواتها إلى المنطقة في الوقت الذي تتذكر فيه عواصم عربية عديدة أن هذا هو الأوان الشرعي للمناورات العسكرية المشتركة مع الولايات المتحدة الأميركية؟ وأليس غريبا أن تبلغ الوقاحة حد إعلان أميركا نقل قيادتها للعمليات المرتقبة ضد العراق إلى دولة عربية، وكأنها تنعم عليها وعلينا بهذا الشرف فتتلقفه راضية مرضية؟! إن وزراء الخارجية العرب قرروا في اجتماعهم الأخير أن العدوان على العراق هو عدوان على كل الدول العربية، ونحن لا نسأل عن الترجمة العملية لهذا القرار، ولا نطلب من النظم العربية ان تقاتل أميركا حتى وهي تعلم ان الدور قادم عليها.. ولكن من حق الشعوب العربية أن ترفض مشاركة أي نظام عربي في ضرب العراق، ومن حقها أن تطلب إنهاء الوجود العسكري الأميركي فوق الأرض العربية، ومن حقها أن تحاسب من يسمح باستباحة الأرض العربية لتكون قاعدة للعدوان على الأمة العربية. ومن حق الشعوب العربية أن تسأل وهي تواجه هذه الهجمة الأميركية - الإسرائيلية الشاملة أن تطالب بتمكينها من المقاومة وأن تسأل الأنظمة العربية عن جدوى الانحناء الطويل أمام المطالب الأميركية، والتنازلات المتتابعة التي اصبح فيها الكفاح الفلسطيني المسلح المشروع (ارهابا) بموافقة رسمية عربية، وتتم فيها حرب الابادة الشارونية للشعب الفلسطيني وسط صمت عربي مخجل، ويتحول فيه العرب جميعا الى مجرمين بقرار أميركي يحملهم مسئولية الارهاب في العالم كله، ويصبح فيه (الإسلام) دينا سيئا كما افتانا الرئيس الأميركي لا غفر الله له. لماذا يقف النظام العربي عاجزا والقوات الأميركية تستعد لبدء عملياتها على أرضه؟ لماذا لا نعلن الحقيقة للعالم؟ لماذا لا نتبنى رؤية هجومية تكشف الموقف الأميركي بدلا من الحديث عن الصداقة الأزلية والتحالف الأبدي؟ لماذا لا نرد الاتهامات ونؤكد الحقائق التي يتعمدون اخفاءها لأنها تكشف أن الارهاب صناعة أميركية لا عربية ولا اسلامية. ان جريمة فيتنام والملايين التي سقطوا فيها من الفيتناميين والأميركيين لم تكن صناعة عربية بل قرار أميركي. إن مذابح سوهارتو في أندونيسيا ومذابح شيلي وانقلابات أميركا اللاتينية كانت قرارا أميركيا. إن مآسي الحروب الأهلية في افريقيا التي راح فيها الملايين من الكونغو الى السودان كانت قرارا أميركيا. إن جريمة إلقاء أول قنبلة ذرية على اليابان لم يقم بها العرب، واغتيال كنيدي لم يقم به مسلم، وهتلر وموسوليني وجونسون وميلوسيفيتش ليسوا مسلمين. وتنظيم (القاعدة) نفسه لم تصنعه السعودية بل صنعته المخابرات الأميركية، وحركة (طالبان) تعرف أميركا وحدها كيف نشأت ومن مولها ولماذا جاءت إلى السلطة؟ العرب كانوا الضحية.. دفعوا في الجزائر مليون مواطن من أجل الاستقلال وعشرات الألوف في الحرب الدائرة ضد الارهاب الذي أطلقته أميركا ورعته حين كان (جهادا) ضد السوفييت وأطلقته على الدول العربية ليكون سلاحا لتطويعها للإدارة الأميركية. والعرب مازالوا ضحية يدفعون في فلسطين ثمن (جريمة) طلبهم تطبيق الشرعية الدولية التي تدعي أميركا أنها ستدمر العراق لأنه لم يطبقها! ويدفعون في كل أنحاء وطنهم ضريبة سعيهم للعدل والديمقراطية والتقدم، وهو مسعى ظل مرفوضا أميركيا طوال خمسين عاما لأنه يتعارض مع المصالح الأميركية في المنطقة ويتصادم مع أطماع الصهيونية في إخضاع العرب. العرب كانوا ومازالوا ضحية الارهاب الأميركي، الإسرائيلي. وعندما تأتي واشنطن اليوم لتبدأ حملتها الصليبية انطلاقا من العراق فإنها لا تخدع أحدا حين تتحدث عن أسلحة الدمار الشامل التي تعرف أن ترسانتها الحقيقية هي في إسرائيل، ولا عندما تبشرنا بأنها ستقتل الملايين في العراق لتعلمهم الديمقراطية وحقوق الإنسان! ولا عندما تقوم طائراتها بضرب الأطفال الفلسطينيين بحثا عن (الإصلاح) الذي يريده شارون! إنها سياسة (البلطجة) وغطرسة القوة التي أغرت كل امبراطوريات الشر على مدى التاريخ.. والتي تعرف واشنطن جيدا كيف انتهت، ويبقى ان يعرف العرب ذلك وأن يؤمنوا بأن النصر في النهاية للشعوب التي تعرف كيف تقاوم العدوان، وان الحضارة التي تستمر هي فقط التي تقوم على روح التسامح والابداع والمساواة بين البشر. ليتنا نعرف فنخرج من حالة العجز المميت قبل الأوان. وليتهم يعرفون فيخرجون من حالة (البلطجة) التي تهدد أقوى دولة عرفها التاريخ بأن تكون مجرد امبراطورية قامت على القوة وسقطت - كعادة الامبراطوريات - لأنها نسيت القيم الإنسانية وهي تجري وراء مصالحها الخاصة. ـ نائب رئيس تحرير «اخبار اليوم» المصرية