أمور كثيرة تدفعك الى حيرة اكبر ثم تجد نفسك امام السؤال الذي يشل تفكيرك وبحثك ويجعلك تركل حجارة الطريق بقدمك الحافي وتصرخ من ألمك وغبائك الذي دفعك الى تلك الفعلة وذلك السؤال!! لماذا يحدث هذا في وجود كل الامكانات، ونفر من العارفين الفاهمين، لماذا لا يتصل هذا الامر بذلك الامر لتكتمل دائرة الجهود ويتحقق نجاح التغلب على الظواهر التي لا زالت تثقل كتف المجتمع.. تسأل، ثم تسأل، فلا تجد اجابات، فتلجأ من جديد ركل حصى الطريق.. ليست هذه المقدمة متاهة، ولا هرطقة في المجان والمليان، بل هي حول السؤال الحائر دائما: لماذا لا تتضافر الجهود حول ظواهر بعينها؟؟ مدير مركز شرطة الراشدية صرح بالامس باحصائية تقول انه خلال تسعة اشهر فقط من هذا العام تورط 27 حدثا في قضايا مخدرات واعتداءات واتلاف مال الغير وكان مجموع قضاياهم 16 قضية، وناشد مدير المركز بلهجة تحمل خوفها على الاطفال والمراهقين في المجتمع بكافة خلاياه وعناصره، الاسر بآبائها وامهاتها، المدرسة وكافة ما له صلة بالعملية التربوية وبالناشئة ضرورة استيعاب خطورة هذا الجنوح المبكر في مجتمع يفترض انه يؤمن قدرا كبيرا من الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.. ومع هذه المناشدة الصريحة، وهذه الصرخة التي اطلقها مدير مركز الراشدية الرافضة لوقوع الاطفال والمراهقين في مثل هذا النوع من الجنح، يتبادر السؤال الصعب دائما، ذلك السؤال الذي كما اسلفنا يجعلك تركل برجلك اقرب حصاة كبيرة لتحتج على كل ظرف يورط طفلا في قضية مخدرات، او قضية سرقة، او فعل لا يقبله القانون ولا المجتمع.. لا تملك الشرطة ان تحول دون جنوح الحدث الا اذا صدف واستشعرت ذلك، وهذا نادر لأن العلة الكبرى في ذلك تكمن في مدى رقابة وحماية اسرته له، ولا تملك الشرطة يدا طولى على اب لا يتتبع خطوات ابنه، ولا على اسلوب معاملته له، ولا تمتلك شيئا في الظروف التي تحيط بالحدث، ومن هنا يكبر السؤال.. كيف نحميهم؟ كيف نلتقطهم قبل ان تمر عجلات قطار الضياع فوق اجسادهم؟ نعتقد ان اجابة هذين السؤالين ليست في غرف التحقيق، ولا في صناديق دوريات الشرطة، بل انها هناك لدى مؤسسات وهيئات رعاية يفترض انها تتبعهم وتتبع خطواتهم داخل وخارج منازلهم، تستشعر اقترابهم من الضياع، تلاحقهم، تغريهم نحو الطريق السليم، تؤمن لهم ما يبعد حاجتهم الى كسر القانون والانحراف.. مؤسسة، او هيئة، تعمل بطاقم مدرب ومتمكن ولديه مجسات دقيقة لحصر الحالات واحاطتها وتطويقها بالاساليب الحديثة الجاذبة لا المنفرة.. وفي مجتمعنا يوجد نوع حتى ولو كان بدائيا مثل هذه الهيئات.. لكن كما قلنا في البداية لا يتصل هذا بذاك حتى تكتمل دائرة الجهد وينبض الجميع تجاه حل الظواهر بقلب واحد.. الشرطة تغني على ليلاها، والمدرسة تفلح في ارض بعيدة وكأنها ارض المريخ، وبقية المؤسسات في عرس جماعي كبير كل يبحث عن فلاشات الكاميرات والاضواء، ومن يرمي وردة هنا او تحية هناك.. لا تتظافر الجهود.. رغم ان الجهود تملأ تراب الوطن، ولا تلتف النوايا على بعضها، نوايانا تغار منها الطيبة!!..فهل في النوايا جنوح؟