لم يعد أمامنا خيار. كلنا مشبوهون فقدنا براءتنا السياسية. جميعنا رهن الاعتقال على نحو أو آخر. بعض في معتقلات وطنية وبعضٌ في سجون أجنبية وآخرون، في معسكرات متعددة الجنسيات. هناك شعوب تحت الحبس الجماعي داخل أوطانها. ثمة بلاد أفضل حالاً يقف احساس أهلها عند الاقامة الجبرية. أميركا وسعت دائرة الاتهام وضيقت هامش الحرية غير أن الأزمة ليست وليدة قرار أميركي صرف. العديد من الايدي غير النظيفة تتواطأ في تعلية الأسوار. من الصعب الفرز بين الوالغ في جريمة بشعة ضد الإنسان أو الوطن وبين القابض على إنسانيته ووطنيته داخل السجن. يوجد هناك مطاردون لم تعد تراودهم الطمأنينة في الفراش. الشارع أو الوطن. عندما تكون ملاحقاً تصبح عرضة للاختطاف في أي لحظة. كل ما تدركه انك طريد غير انك لست واثقاً ممن يطاردك بحيث تحاول مراوغته، الافلات منه أو التصدي له في احد المنعطفات. الاسوأ من ذلك انك لا تعرف بالتحديد الاتهام المدون مقابل اسمك، دع عنك مصدر الاتهام. هذا عصر ممارسة الإرهاب وليس زمن مكافحته. المواطن العربي متهم حتى ولو ثبتت براءته. اذا سمح لك حراس البوابات داخل المطارات الأجنبية بالمرور في سلام تجد نفسك تردد آيات الثناء وتسارع إلى اخفاء جواز سفرك. مطلوب منك التجرد عن هويتك على عجل. باسم العولمة باتوا يصادرون حقك في التباهي بعروبتك. أنت مطالب أكثر من غيرك بالتماهي. لا أحد يكلف نفسه بتبيان شروط الحالة الأولى أو مبررات الثانية. عناصر ضاغطة عديدة تضافرت أصلاً على الغاء عقلك. أنت حالة قابلة للتنفيذ والاستجابة ليس غير. ألم تخرج من محبس إلى آخر؟ هذا ليس زمن مكافحة الإرهاب وانما عصر ممارسته. المواطن العربي مدان ولا مجال لاثبات براءته. النظام العالمي الجديد جداً عاد إلى الوراء قروناً اذ أصبحت رهينة عشيرتك الأولى فاسمك العائلي يحدد صحيفة اتهاماتك. لا مفر من الاعتقال. ثمة مناضلون خلف الأسوار تم اختطافهم عنوة. إلى حين قريب كان اعتقال رجال من طراز البرغوثي وسعدات يكفي لاثارة عاصفة احتجاجات في عواصم عديدة. الرجل الثاني اقتيد إلى سجن «دولي» من مقر رئيس قيد الاعتقال. ثمة شعب عربي بأسره بات رهينة. صراع الحضارات اكذوبة لتجميل واقع قبيح. فليس هناك صراع كما لا توجد على الحلبة حضارات. صراع الثقافات فهم خاطيء هو الآخر لتوجه متوحش. هذا زمن انفراد رعاة البقر بالمسرح العالمي. في غياب الايديولوجيا والايديولوجيا المضادة ارتبك المسرح اذ فقد العالم اتزانه وتوازنه واستعاد العالم المتحضر شرائع الغاب فأصبحت القوة وحدها معيار التعامل. العولمة شرعت مظلة براقة لبورصة تعج بالسماسرة الاندال. بلاد معروضة للبيع علناً وأخرى للإيجار. أنظمة مرابية تفتح مرافئها قواعد عسكرية واسطبلات لبوارج الدمار. لماذا يمتلكون كافة اشكال الأسلحة ويصادرون حقنا في امتلاكها؟ نحن قلب هذه الخارطة بمعايير الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد والسياسة. محاولاتهم للتجزئة ترهن شعوباً لحكام احياناً وتفصم العرى بين الشعب والنظام وفق المصالح الغالبة للشيطان الذي ينفخ فينا عقدة هابيل وقابيل. انهم يتعمدون تدمير كل وطن مدمر ونحن مسكونون بخوف على موت البحر الميت.