عندما كنا صغارا، كنا نرتاد دار السينما الوحيدة في بلدتنا النائية وهي سينما محلية الصنع، بدءاً من مقاعدها الخشبية الطويلة مروراً بشاشتها المصنوعة من أكياس الخام البيضاء وصولاً الى بابها الحديدي الذي كنا نسترق النظر منه الى صور معلقة على الجدران الداخلية لطرزان وهرقل وستيف ريفز وجيمس بوند، وجميع هؤلاء كانوا في نظرنا ابطالا لا يقهرون، وسبب هذا التفسير هو شخصية الممثل الذي ينتصر للضعفاء والوسيمين، وعندما كنا نحضر فيلماً معقدا بعض الشيء في قصته كنا نقسم الابطال الى اخيار واشرار أو بمعنى ادق وضمن الموروث الديني كنا نقسمهم الى مسلمين وكفار، علماً ان الفيلم لا توجد فيه اية اشارة توضح او تقارب هذا التصنيف، ولعل الاساس في عملية التقسيم هو الحب والكره، فالذين كنا نحبهم كانوا ابطالا يعني مسلمين، والذين لا نحبهم هم الاشرار يعني كفارا. واذا قامت السينما بهذا الفرز البدائي في عقولنا نحن الاطفال انذاك فانها مازالت تعيد طرح القضية من موقع اخر وبدائل اخرين امثال رامبو وباتمان وسبيدرمان. والسينما عموما حمّلت الفن اكثر مما يحتمل عبر صيغ الاقناع والادهاش والقوة وعملت على تعزيز مفهومي الحب والكره واعطت خيال المشاهد مزيداً من المدى ليحب ابطاله ويكره الاشرار. لكن ان تحمل الاغنية هذا المفهوم وتعمل على ايصاله للمستمع فتلك اضافة جديدة ليست في صالح الوجدان الانساني، لذلك ظهرت اغنيات حديثة تحض على الاخذ بالثأر من الحبيب لانه عذب المغني واذاقه الالم فتراه يصرخ قائلا «طفي نارك، خد بتارك» مدركاً ان الأخذ بالثأر ليس من الشيم الايجابية في هذا العصر، ولكنه يصر على الانتقام من المحبوب وجعله عبرة لعشاق اليوم. واذا قلنا ان الاغنية ليست في صالح الفن فاننا نقول ايضا انها ليست في صالح العشاق لانهم يحبون، والذين يحبون او يجيدون الحب لا يكرهون، وعليه لن يعيش العاشق تحت سقف واحد مع اغنية اليوم بل يفضل النوم تحت غطاء الأغنية القديمة، وهكذا ستظل اغنيات عبدالحليم وام كلثوم وعبدالوهاب في الذاكرة وستعيش طويلا.. طويلا. الحديث عن الثأر في الاغنية جاء من خلف سقوط قيم الحب الشمولية، لان ما نسمعه من كلمات يتفوه بها المغني اليوم ليست في حقيقتها كلمات ايجابية، انها مجرد معان متطابقة الشكل غريبة المعنى رصفها المغني بشكل متلاصق لتناسب ايقاع الرقص، وعندما هرب المغني الى معان جديدة لاغنيته لم يجد افضل من القول: «غرامك مزيف، ضميرك عدم، هويتك، عشقتك، كرهتك.. نعم». وهذا يعني اعترافا اكيدا بموت مشاعره، فاذا بادله العاشق بمشاعر مشابهة سارع الى التهديد قائلاً: «منهم يا ناري لاخد بتاري، وبكي عيونن لو شعري شاب» يعني سينتقم حتى لو طال به العمر واصبح عجوزاً. لكن الا يعني هذا تدميرا للعواطف أو تخريبا للذوق؟ نعم يعني هذا ويعني ايضا ان المغني يحرض على الثأر وهذه جريمة يعاقب عليها القانون! لقد كان الفن فسحة تظلل يباس الحياة وتعطيها بعض الرونق والبهاء، وعملية التقسيم التي ذهب اليها الخيال سابقا لم تعد لغة مناسبة لهذا العصر، كما ان الكره والحقد والانتقام ليست ضمن مفاهيم الفن لان سياسة التقسيم (اخيار - اشرار) شأن أميركي وممكن ان تعيد السينما لعبتها القديمة باعتبار ان السينما الان هي ما تقدمه هوليوود وكذلك الاغنية ايضاً، اذن ليس مستغرباً ان يتهادى العالم الحر أغنية جديدة تقول كلماتها: «سأضربك مع التفتيش، سأعاقبك مع التفنيش، سأجعل حياتك عجب وعيشتك رهب، حتى لو اسلحة عندك مافيش». طبعاً كاتب الكلمات هو جورج بوشيش وملحنها طوني بليريش وتؤديها فرقة المارينز في الشرق الاسطيش والعالم كله في لحظة تحشيش أو تطنيش لأنه يريد ان يعيش. ويا سلام سلم ع الكورنيش.