يبدو أننا نعيش في زمن كل شيء فيه للبيع، ولا أستثني من ذلك شيئاً، فالقيم والاخلاق والتقاليد والدين والعادات والقانون جميعها تغيب، في حضرة المال وتكوين الثروة، والقضية هي كيف تستطيع ان تصبح ثرياً في اقل فترة من الزمن ولو كان ذلك على حساب القيم الانسانية؟ من يتابع فضائح الفساد المالي وتشعباتها ابتداءً من الولايات المتحدة الاميركية وانتهاء بأصغر دولة في اسيا أو افريقيا يكتشف ذاك الانهيار المثير الذي وصل له العالم اليوم، فنحن نعيش في زمن مفتوح تتفاعل فيه القضايا أيا كان شكلها ولونها وجنسيتها وتتواصل خيوطها هنا وهناك. والواقع ان اي انهيار في الاخلاق يؤدي الى فساد في القيم والذي بدوره يشكل النواة الحقيقية للفساد العام، فالمعلم والشرطي والمهندس والصحفي والموظف والطبيب وغيرهم من شرائح المجتمع اذا ما فسدوا فانهم بالتالي يكتبون وصية القيم الانسانية. وحتى لا أدخلكم في مقدمة فلسفية مملة انقل لكم ما تلقيته عبر البريد الالكتروني، فقد ارسلت لي احدى المؤسسات التي وصفت نفسها بالعلمية رسالة قالت فيها بشكل اعلاني: هل تريد الحصول على شهادة الدبلوم العالي في اي تخصص يرد على بالك، نحن نستطيع تأمين تلك الشهادة دون تعب أو عناء، ودون كتب أو دراسة.. ان أردت ذلك ما عليك سوى الاتصال بأرقامنا وستصلك الشهادة خلال أيام! مثل هذا الاعلان نقلني رأسا الى ما يحدث حالياً في مهنة الطب ومهن أخرى، فهناك نماذج كثيرة للسقوط البشري اكتشفت هنا وهناك في مجالات مختلفة، لكن الاعلام لم يركز عليها بصورة تجعلها عبرة ومثلا، فخلال الشهر الماضي ألقت السلطات المصرية القبض على طبيب مزيف مارس مهنة الطب لمدة 15 عاماً، وهو راسب في الثانوية العامة، وقد قام هذا الطبيب المزيف منذ العام 1985 وحتى 1995 بافتتاح عيادة له في منطقة العتبة بوسط القاهرة، وادعى انه جراح مخ واعصاب وفي العام 1997 قام بافتتاح عيادة اخرى جديدة بمنطقة السيدة زينب، وبعد ذلك توالت الادعاءات على اطباء آخرين حيث ضبط طبيب مزيف بعد اسبوع واحد فقط من اكتشاف الاول وهو طالب طب فاشل تم فصله من السنة الثانية لتكرار رسوبه، بالاضافة الى اكتشاف طبيب شغل منصب نائب مدير مستشفى حكومي كبير عدة سنوات لم ينه دراسة الطب. وقبل سنوات ايضا اكتشفت احدى الدوائر الطبية طبيبا عربيا مزيفا كان في الاصل ممرضا، الا ان الشهادة المزيفة التي يحملها جعلته في مرتبة الطبيب، ولم تكشفها الا بالصدفة من خلال خناقة زوجية جعلت الصوت يخرج عاليا ويكشف الأمر الذي كان مستوراً! وغير هذا هناك اطباء ومهندسون وغيرهم يعملون في بقاع الدنيا بشهادات مزيفة لا يستطيع الجن الازرق اكتشافها، فالظاهرة لم تعد محلية او عربية او تنسج خيوطها في دول العالم الثالث، بل هي ظاهرة عالمية لا تحدها حدود! ومؤخرا شكك باحث اقتصادي هو هورست بيالو في مصداقية الكثير من شهادات الدكتوراه التي تمنح من ارقى الدول والجامعات في العالم، مشيرا الى ان درجة الدكتوراه اصبحت الآن في متناول اليد وبأقصر الطرق والوسائل، فما عليك الا ان تحدد البلد الذي تريد الحصول منه على شهادة حتى تعرف سعرها، لان لكل بلد قيمته ومكانته وسعره! وقد اصدر هذا الباحث كتابا اسماه «صانعو الدكتوراه» اشار فيه الى ان تجار شهادات الدكتوراه قادرون على تأمين 400 شهادة عالية من ألمانيا وحدها، وهي التي يضرب بها المثل في الدقة والصعوبة والعمل. مؤكداً على ان هناك سوقاً رائجة لتلك الشهادات التي تسلم للأشخاص الراغبين مقابل مبالغ مالية تبدأ من عشرة آلاف يورو وتصل الى خمسين الف يورو حسب قوة الجامعة واسمها العلمي، والبلد وقوته الاقتصادية. المثير والمدهش في الأمر ان تجار الشهادات المزيفة الذين ذكرهم صاحبنا اسمياً في كتابه يتقلدون مناصب عليا في جامعاتهم، وهم مستعدون لعمل حسومات جيدة للزبائن الراغبين او الوسطاء المعروفين لديهم. ولا أجد بعد ذلك سوى أن أردد كما يردد جميع افراد المجتمع صغيرهم وكبيرهم احتفاءً بالقيمة العلمية وأقول: أهلاً يا دكتور!