لقد كان عقد التسعينيات من الألفية الثانية مائعا من حيث غياب عدو شيطاني ضخم يوازي الاتحاد السوفييتي، أو من قبله النازية كي يحشد الشعب الأميركي، وراء استراتيجية عنف جديدة تخضع البلدان لاحتياجات الولايات المتحدة. فما تعرضت له المصالح الأميركية، خلال عقد التسعينيات، من ضربات هنا وهناك من بعض الجماعات، لم تكن خلاف المألوف عما تعرضت له في العقدين الذين سبقا. والبلدان التي اعتبرتها أميركا معادية لها، هي من الضعف بحيث لم تقنع الرأي العام الأميركي بأنها تستحق العداوة، كما في حالة ضرب السودان وأفغانستان والعراق في عهد كلينتون. وكانت النخبة الأميركية تتلوى غضبا من كون أن الفرصة المناسبة ليست موجودة حتى تستثمر غنائم الحرب الباردة. وكان أكثر أطراف النخبة اشتطاطا في غضبه الفريق المحافظ الذي كان يأخذ على كلينتون تردده، ويلومه في بحثه عن الأعذار، ففي رأي هذا الفريق أن التفرد في القوة شبه المطلقة سبب كاف لبسط الهيمنة. ومع أن الفريق المحافظ وصل إلى السلطة لكنه لم يستطع أن يفعل شيئا في السنة الأولى، وإن كان مشغولا بالتخطيط للحرب، بسبب الشكوك الداخلية حول شرعية رئاسة بوش. وكانت هجمات سبتمبر الحدث الذي كان ينبغي أن يخترع لو لم يقع. وأجادت النخبة الأميركية في استغلاله على مستويين. أنها اشتقت منه معالم الشيطان الجديد، الإرهاب، الذي يعادل في قوة خطره ومداه وانتشاره ما قد واجهته من قبل. وأنها عمقت الرعب منه داخل مجتمعها، حتى جعل انقياد مواطنيها لخططها الحربية أمرا يسيرا. غير أن الإرهاب لا يمكن إبقاؤه على مستوى التجريد، لأن محاربته تحتاج إلى تخصيصه في بلدان وجماعات. ولم يكن تخصيص العرب والمسلمين مخلوقا من عدم، فقد شهد عقد التسعينيات اجتهادات فكرية انصبت في عمومها على أن وجود الحضارات المتباينة ليس وسيلة إلى التلاقح ومن ثم التقدم، وإنما إلى الصراع والحرب. فتعيين العرب والمسلمين بالعدو اجتمعت على تجسيده مجموعة من العوامل. أولاها، أن القائمين بهجمات الحادي عشر من سبتمبر هم من العرب. ثانيها، أن اليمين المسيحي يتسيد الساحة السياسية الأميركية في الوقت الحاضر. ثالثها، أن اللوبي اليهودي وجد جسرا يوصله باليمين المسيحي. رابعها، أن اللوبي النفطي، الذي يمثله الرئيس ونائبه، يرى الهيمنة على مخزون النفط الموجود معظمه في بلاد العرب والمسلمين تحتاج إلى الحرب. خامسها، أن لوبي صناعات السلاح، التي يمثلها رامسفيلد، يحتاج إلى أن يرى الطلب على سلعه متزايدا، بعد أن تضاءل في أعقاب انتهاء الحرب الباردة. فهذه أسباب، كل واحد منها كفيل بأن يجعل العداء للعرب والمسلمين قضية، فكيف إذا اجتمعت جميعا؟ والإدارة الأميركية الحالية تستند إلى تأييد هذه المجموعات التي تشكل خليطا من الهوس الأيديولوجي والبواعث المصلحية التي تجعل العداء للعرب والمسلمين مطلبا لاهوتيا، وضرورة عملية. فاليمين المسيحي يؤمن بأن فلسطين هي أرض الشعب المختار، وأن عودة اليهود إليها هي العلامة الحاسمة لعودة المسيح الثانية ونهاية العالم. فعودة المسيح وقيام إسرائيل أمران متلازمان تلازما عضويا. وهكذا يصبح من أوجب الفروض على المؤمنين بهذه المقولة أن يسندوا بل أن يبذلوا الجهد لتسهيل تحقيق هذه النبوءة. ولا يمكن غض النظر عن هذه القناعة، لا لقيمة موضوعية فيها، بقدر ما أنها تسوق الملايين للفعل لإنجازها. فأتباع اليمين المسيحي الذين كانوا لعقود خلت تؤويهم جبال الوسط الغربي، أو تنطوي عليهم بعض الكنائس في الجنوب، باتوا قوة تقدر بالملايين. كما أن تأثيرهم الفكري فاض على ملايين أخرى من المواطنين الأميركان. وقد يكون مذهلا أن نعرف، كما أشارت الإيكونومست البريطانية، أن 59% من الأميركان يعتقدون بأن كل نبوءات كتاب الوحي الذي كتب بعد سقوط القدس في عام 70 ميلادي، ستتحقق. كما أن ربع السكان الأميركان يؤمنون بأن كتاب الوحي تنبأ بأحداث سبتمبر. ويقوم قادة اليمين المسيحي بتغذية سعار الحرب من خلال خلق المناخ الفكري المعادي للعرب والمسلمين. فأحد قادة اليمين المسيحي، جيري فاين، الرئيس السابق لأكبر طائفة بروتستانتية، مؤتمر المعماديين الجنوبيين الذي يبلغ عدد أتباعه 15 مليونا، قدح في الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام في خطاب له أمام اجتماع لهذا المؤتمر. وقد هرع لتأييده الرئيس الحالي للمؤتمر جراهام الذي وصف خطابه بأنه صحيح. كما انبرى قادة كبار لمنظمات أخرى لتأييد توجهات فاين. وفي اليوم التالي على هذا الخطاب تحدث الرئيس الأميركي في اجتماع مؤتمر المعماديين الجنوبيين خاصا إياه بالثناء حينما وصف أنشطته بالتسامح! ثم إن العشرات من المحطات الإذاعية المرئية والمسموعة والجرائد المحلية تملأ أذهان الناس بالترهات عن العرب والمسلمين، وقد وصل الأمر بمقدم أشهر البرامج وأوسعها انتشارا، أورويلي من محطة فوكس، إلى أن يماثل بين محاضرات في جامعة كارولينا الشمالية للتعريف بالإسلام، بتدريس كتاب س كفاحيس لهتلر، مضيفا أن الإسلام هو(دين عدونا). لقد انتشر العداء للعرب والمسلمين وتحقير الإسلام حتى بات جوا عاما مخيفا لا يقتصر على المغالين من اليمين المسيحي بل أصبح يشمل الكثير غيرهم. ولذلك لا غرابة أن تظهر الممارسات العدوانية ضد العرب والمسلمين، فالقناعات هي المحرك لتصرفات الناس وأفعالهم. بل أن التأثر بهذه الحملة المعادية وصلت عدواه إلى رجال الأمن. وأصرخ أمثلتها قيام أحد رجال الشرطة بكتابة جملة (الإسلام شر) على تقويم ديني في أحد بيوت المسلمين كان يقوم بتفتيشه. وهذا محاكاة لمصطلح الرئيس الأميركي عن دول محور الشر، ولشعار الرئيس ريغان من قبله حينما وصف الاتحاد السوفييتي بإمبراطورية الشر. ويرى البعض أن الإدارة الأميركية قد فقدت السيطرة على الموجة الجديدة لتحقير الإسلام، حيث أن الرئيس الأميركي الذي يشكل جمهور اليمين المسيحي جوهر قوته الانتخابية لا يجرؤ على الذهاب بعيدا في الضغط على قيادات اليمين المسيحي لإيقاف حملتهم المعادية ضد العرب والمسلمين. وإذ لا يمكن إنكار أهمية هذا العامل في موقف الإدارة من الحملة ضد العرب والمسلمين، إلا أنه لا يمكن غض الطرف عن سبب آخر لا يقل أهمية. فالحرب ضدس الإرهاب سالتي يشنها الرئيس الأميركي تتوجه إلى بلدان وجماعات عربية وإسلامية، وهي تتطلب حشد تأييد الرأي العام الأميركي. إذ إن فقدان التأييد الداخلي لحربه تقود إلى عجزه التام عن شنها. وكيف يمكن تعبئة الناس وراء حرب هلامية ليس لها أعداء مرئيون؟ فتشخيص العدو أول متطلبات الحرب، وكلما زاد تقبيح فعل العدو، وتشويه صورته، كلما اشتعل أوار حماس الناس للحرب، وكلما استساغوا الفتك بالأعداء. وقد وجد اللوبي اليهودي في اليمين المسيحي نصيرا فريدا له في مهمته للدفاع عن إسرائيل، ولإسكات القوى المعارضة لها، ولزيادة مساحة التصرف المتاحة لها في المنطقة العربية. فهذا اللوبي الذي كان السند الأساسي للحزب الديمقراطي أخذ يتحول تدريجيا، بعد أن أصبح جزءا من النخبة، إلى قوة ضغط عائمة تتخلى عن كل ما رهن نفسه له، ويحصر مهمته في جعل إسرائيل علة تحالفاته الوحيدة. ولذلك فقد وجد الزواج من اليمين المسيحي مريحا لأن العلة المشتركة موجودة في هذا الاقتران. ولم يعد يهتم بمشاعر السود الأميركان، بل ويتآمر ليصادر حقهم في اختيار ممثليهم، فقد تحالف اللوبي اليهودي مع اليمين المحافظ لإسقاط عضوين سود من الحزب الديمقراطي في الانتخابات الأولية للكونغرس لأنهما انتقدا السياسات الإسرائيلية. بل ان اللوبي اليهودي تطرف في مخاصمته ضد أولئك الذين لا يؤيدون سياسات شارون بإطلاق، كحملاته ضد محطة السي أن أن ومحطة الأن بي آر. ولقد سار التحالف بين الجانبين إلى حد كبير، إلى حد أن أحد قادة اليمين المسيحي وصف ما يجري في فلسطين بقوله (هذه ليست حرب بين العرب واليهود. هذه حرب بين الخير والشر). ويخطئ من يظن أن التحريض على العداء ضد العرب مقتصر على اليمين المسيحي واللوبي اليهودي، وأن الإدارة الأميركية، وإن لم تفعل شيئا حقيقيا لمواجهة حملة العداء هذه، لكنها لا تشارك فيها. فهذا الظن بعيد عن الواقع. فالإدارة الأميركية وإن كانت لا تفعل في التحريض على العداء ما يفعله اليمين المسيحي واللوبي اليهودي من وقاحة اللغة وفجاجة القول، لكن جملة تصرفاتها تشير في اتجاه واحد وهو إدانة العرب والمسلمين. فحملتها على أفغانستان، ثم إنزالها لجنودها في الفيلبين لملاحقة جماعة أبوسياف، وإرسالها للخبراء العسكريين إلى جورجيا لمساعدتها في ملاحقة المسلمين الشيشان، وإعدادها للحرب ضد العراق، وتأييدها المطلق لشارون في تدميره للمجتمع الفلسطيني، ووضع مؤسسات وأحزاب عربية وإسلامية لا علاقة لها بأحداث سبتمبر على قائمة الإرهاب، ووضع بلد عربي وأخر إسلامي في محور الشر، كل هذا صراخ بملء الحنجرة أن العرب والمسلمين هم العدو. ولا يحتاج المواطن الأميركي كبير عناء ليدرك القاسم المشترك في هذه الأمور كلها أي العداء للعرب والمسلمين. لكن إشاعة العداء في المجتمع الأميركي ضد العرب والمسلمين تخدم غرضا آخر أيضا، ذلكم هو إثارة الرعب في نفوس الحكومات العربية والإسلامية لتسوقها إلى أمرين. الأول، قصير الأجل يركز على الحصول على تنازلات من البلدان العربية في موضوع فلسطين والعراق والمقاومة في جنوب لبنان وموقف سورية من صفقة الجولان وإقامة دولة في جنوب السودان. الثاني، وهو الأهم، طويل الأجل يعمل على تعديل البنية السياسية والثقافية في البلدان العربية والإسلامية. فالمناخ السياسي والثقافي الذي يسود في البلدان العربية، الذي رضيت به الولايات المتحدة وشجعته بسبب ظروف الحرب الباردة، لم يعد، في رأي النخبة الأميركية، مفيدا لمصالحها في عهد القطب الواحد. وبات الكثير في الولايات المتحدة يعتقدون أن توليد العداء للمصالح الأميركية ليس منبعه تأييدها لإسرائيل. فهم يرون أنه حتى لو حلت قضية الصراع العربي الإسرائيلي، فلن تغير كثيرا في نظرة العرب والمسلمين تجاه المصالح الأميركية. تلك النظرة تنبع في نظرهم من طبيعة البنى الثقافية السائدة والتركيبة السياسية القائمة. فالأولى تولد المقاومة، لأن الثقافة العربية الإسلامية توجب مقاومة الهيمنة. والثانية تحدث الكراهية، لأن استمرار الاستبداد السياسي ينسب إلى تأييد الولايات المتحدة للقوى والمؤسسات المستبدة. فحالة العداء يوازيها جهد لتدجين المنطقة يقوم على محورين. محور العنف الذي تمثله الحرب والتهديد بها الذي يكره البلدان على إجراء تغييرات في تركيبتها السياسية والثقافية وربما في حدودها الجغرافية. ومحور الدعاية لتلقين الشعوب العربية والإسلامية بجدوى ومصداقية الخطاب الأميركي. ومن أجل تحقيق ذلك تقوم الإدارة الأميركية بخطوات محددة. فالخارجية الأميركية ستنفق الملايين لدعم منظمات المجتمع المدني التي ينسجم خطابها مع الرؤية الأميركية. وهذا يفسر غضب الولايات المتحدة على سجن سعد الدين إبراهيم، لأنها ترى فيها بادرة قد تعيق حركة المنظمات الأهلية التي ترى في نشاطها خدمة لمصالحها. كما أن الكونغرس الأميركي خصص 520 مليون دولار لشركة ثومبسون العالمية للدعاية، حتى تخاطب العرب والمسلمين في آسيا وتصحح ما تسميه شارلوت بيير مساعدة وزير الخارجية الأميركية للشؤون الدبلوماسية والعامة (الإدراك الضعيف للولايات المتحدة الذي يقود إلى القلاقل، وقد برهنت القلاقل على كونها خطرا على أمننا الوطني، والأمن الدولي). والخشية أن يدفع الخوف الأنظمة العربية إلى أن تتقبل شروط التدجين الأميركية تحت شعار الإصلاح. ولا غرو أن الحاجة إلى الإصلاح في البلدان العربية قد بلغت التراقي، ينبغي أن تضطلع بها البلدان من منطلقات احتياجات شعوبها، ومن منظور طراز عيشها، وليس إذعانا للحاجات الأميركية، وليس انسجاما مع المصالح الأميركية، وليس استهداء بأسس المنظور الفكري والثقافي الأميركي. ـ الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية إلى واشنطن