عندما استولى جمال عبدالناصر على السلطة في مصر عام 1952 كان النموذج الالهامي والمثل الاعلى لثورة 23 يوليو هو الولايات المتحدة الأميركية. لكن لم تكد تمر ثلاثة اعوام أو أقل، من التعامل بين الثورة وواشنطن حتى اكتشف عبدالناصر والشعوب العربية قاطبة ان العدو الاكبر للامة العربية هو تلك الدولة العظمى التي اتخذت نموذجا إلهاميا ومثلا أعلى. واذا كانت تفجيرات سبتمبر الزلزالية في الولايات المتحدة قد دفعت الى السطح بسؤال «لماذا يكرهوننا؟» فليعد الاميركيون الى تاريخ العلاقات الاميركية العربية منذ يوليو 1952 وحتى اليوم. وربما تكون تلك العلاقة التي كانت قائمة بين قيادة ثورة يوليو المصرية والولايات المتحدة (وقد اسهب محمد حسنين هيكل في شرح تفاصيلها في كتابه «عبدالناصر والعالم») حتى قبل تحرك رجال الثورة للاستيلاء على السلطة اكبر عملية «سوء فهم» في التاريخ «سوء فهم» بالمعنى الدرامي المسرحي. لقد كانت أصداء «مباديء ويلسون» التي اعلنت في مطلع عشرينيات القرن الماضي تتردد اصداؤها حتى أوائل عقد الخمسينيات. كان الرئيس الأميركي ودرو ويلسون يبشر بحق الشعوب المستعمرة في الحرية والسيادة وينادي بتصفية الاستعمار الاوروبي في العالم. وعندما بدأ الضابط جمال عبدالناصر في تكوين تنظيم «الضباط الاحرار» عند اواخر اربعينيات القرن المنصرم لم يكن حالة استثنائية في اعجابه الى درجة الافتتان بمباديء ويلسون والنموذج الاميركي للحرية والمثل العليا. فقد كان الاعجاب والافتتان عاما بين شباب المثقفين العرب في ذلك الحين. ولم يكن اعجابا بلا مبرر، فأميركا السابقة كانت مختلفة تماما عن اميركا ما بعد الحرب الباردة. و«سوء الفهم» الدرامي الذي وقع بين عبدالناصر ومجموعة «الضباط الاحرار» وهم في حالة الاعداد لقلب النظام الملكي في مصر وبين طاقم السفارة الأميركية في القاهرة سببه هو أن اولئك الضباط الوطنيين لم يكونوا قد ادركوا بعد ان اميركا ويلسون ذهبت في ذمة التاريخ عقب الحرب العالمية الثانية في عام 1945 لتحل محلها اميركا جديدة ذات تطلعات امبريالية تهدف من تصفية الاستعمار الأوروبي في آسيا وافريقيا الى الحلول مكانه كاستعمار جديد. ولم يكونوا ايضا قد ادركوا ان النفوذ اليهودي اخذ يكتمل داخل الطبقة الحاكمة الاميركية ليكون «أمن اسرائيل» هو المرتكز الاساسي للسياسة الاميركية تجاه منطقة الشرق الاوسط. حتى النصف الثاني من عام 1954 لم يقع احتكاك خطير بين عبدالناصر وواشنطن. بدأ الاحتكاك حينئذٍ عندما طلب الزعيم العربي من الولايات المتحدة اسلحة هجومية لمواجهة الخطر الاسرائيلي على الامة العربية. عام 1955 يمثل احدى نقاط التحول الحاسمة في مسار ثورة يوليو المصرية. ففي ذلك العام تحول عبدالناصر صوب المعسكر السوفييتي للحصول على اسلحة متقدمة بعد ان ووجه برفض اميركي صريح ووقح لطلبه. فقد ثبت لدى عبدالناصر للمرة الأولى ان الولايات المتحدة لا تساوم في حماية اسرائيل. ومن هنا انتقلت الولايات المتحدة بالعلاقة مع الامة العربية الى ذلك العداء الصريح الذي يبقى حتى اليوم. فمنذ عام 1955 قررت اميركا ان تكون علاقتها مع العرب مرتهنة الى تحالفها الاستراتيجي الثابت مع الدولة اليهودية العدائية المفروضة فرضاً على الارض العربية. لقد نجحت الولايات المتحدة في كسر شوكة النفوذ البريطاني في العالم العربي حتى قبل نهاية عقد الخمسينيات لتكون القوة الدولية الوحيدة المنفردة بالنفوذ في هذا الجزء من العالم بأجندة صهيونية صرفة. وما بين رفض اميركا تسليح مصر عبدالناصر مع تحويل اسرائيل الى ترسانة عملاقة في الوقت نفسه في عام 1955 وبين اعداد العدة لتوجيه ضربة قاضية الى العراق اليوم في عام 2002 تبرز على هذا الطريق الطويل محطات لا تعكس سوى عزم وتصميم ثابت على اضعاف الامة العربية ازاء الدولة اليهودية. في عام 1967 هزمت اسرائيل العرب بمدد اميركي، وقرب نهاية عقد السبعينيات افرزت الضغوط الاميركية على مصر معاهدة سلام اخرجت اكبر دولة عربية من معادلة الصراع العربي الاسرائيلي لتكون تلك المعاهدة مقدمة لمحطة «اوسلو». وعندما يتساءل الاميركيون اليوم «لماذا يكرهوننا»، فإن الاجابة، استناداً الى تسلسل وقائع تاريخية لم ينقطع حتى الآن، هي ببساطة: لأنكم وضعتم انفسكم كعدو ثابت من اجل اسرائيل واليهود والصهيونية العالمية. والاجدر بكم هو ان توجهوا السؤال الى انفسكم.