«مصر هبة النيل».. عبارة عليها خاتم «النسر».. قالها «هيردوت».. ورددناها وكتبناها ولحناها وعزفناها وراءه.. فشكرا له.. أما ما قاله بعد ذلك فلعنة الله عليه.. فقد كان كتابه عن مصر لوحات سوداء من التشهير والخرافة.. كأنه كتبه وهو مسطول.. أو مخدر.. أو منوم.. فكيف خدعنا أنفسنا طوال 25 قرنا؟ كنت مسترخيا أمام التلفزيون عندما انتبهت الى برنامج وثائقي جذاب يعرض في قناة فضائية متخصصة «ديسكفري» عن ذلك المؤرخ الذي وصفناه بأنه «أبوالتاريخ» وعن كتابه الذي سجل فيه رحلته الشهيرة الى مصر وهو الكتاب الثاني بين كتبه التسعة.. وهو أيضا الكتاب الذي صنع شهرته.. ووضعه إماما للمؤرخين.. لكن.. معظم ما قاله عنا وما نسبه الينا يستحق أن نطلق الرصاص عليه.. وندفنه في مكان مهجور في الصحراء.. ولو كنا قد اكتشفنا ذلك بعد فوات الزمان. لقد وصف مصر بأرض العجائب.. فالنساء فيها يرتدن الأسواق.. ويمارسن التجارة.. بينما الرجال يبقون في البيوت.. ينسجون.. ويربون الأطفال.. وكتب: إن النساء يحملن الأثقال على أكتافهن بينما الرجال يحملنها على رؤوسهم.. وتبول النساء واقفات.. أما الرجال فيفعلون ذلك وهم يقعدون القرفصاء.. وهم يقضون حاجتهم في بيوتهم ويأكلون في الطرقات.. وليس لزاما على الرجال إعالة آبائهم ولكن يفرض على النساء ذلك فرضا.. ويسكن سائر النساء في عزلة عن الحيوانات لكن المصريين يسكنون مع حيواناتهم.. وهم يعجنون العجين بأقدامهم ويخلطون الطين والماء بأيديهم.. وبأيديهم أيضا يرفعون الروث.. ولو كانوا يصنعون خبزهم من الذرة فإنهم يحرمون على أنفسهم القمح والشعير.. ولو كانوا يحلقون رؤوسهم في مناسبات الفرح فإنهم يطلقون شعر الرأس واللحية اذا ما طرق الموت أبوابهم. صور غريبة... لم نرها من قبل.. لم نقرأ عنها في كتاب آخر.. عرضت على شاشة التلفزيون مجسمة ناطقة.. صارخة بالقسوة والتشويه.. وقد تصورت أن ما نسب الى «هيردوت» على الشاشة مختلفا عما جاء في كتابه.. لكن عندما عدت الى الكتاب وجدت أن الكارثة تبدأ على صفحاته وتتمادى في سطوره.. فكيف لم ننتبه اليه؟.. وكيف وضعنا عليه الرياحين والنياشين.. وأصبحت عباراته جزءا من النشيد القومي؟..«واسلمي يا مصر إنني الفداء». لقد ولد «هيردوت» قبل الميلاد بنحو 490 سنة قبل الميلاد في آسيا الصغرى.. ومات قبل الميلاد بنحو 425 سنة في جنوب ايطاليا.. واسمه هو اسم مركب.. «هير» ينسب الى معبودة الإغريق «هيزا» و«دوت» تعني العاطي أو الواهب أو الهادي.. وكأن اسمه لو ترجمناه الى اللغة العربية يكون عطاء الله.. أو هداية الله.. وقد عاش سنوات شبابه رحالة في بلاد المنطقة المختلفة.. ووضع تسعة كتب.. أشهرها كتابه عن مصر.. وقد تجرأ على كتابته رغم أنه لم يمكث في بلادنا أكثر من 3 شهور.. وهي مدة لم تكن لتكفي لاستيعاب أقدم حضارة وأول فجر للضمير الانسان.. لكن.. كتابه للأسف أصبح «عمدة الكتب» القديمة عن مصر.. ومنه خرجت كل الأفكار الخاطئة المتداولة عن المصريين.. فلو سمعت ما جاء في برنامج «ديسكفري» بدقة.. فإن هذا الكتاب يطبع منه سنويا نحو 100 مليون نسخة.. فهو كتاب مدرسي يعرفه تلاميذ الدنيا ويفتحون عيونهم عليه. كانت رحلته الى مصر في القرن الخامس قبل مولد المسيح ووقتها كانت مصر تحت حكم الفرس ويجلس على عرشها الملك «قمبيز» ولم يكن «هيردوت» يعرف لغة المصريين ولم يكن المصريون يعرفون لغته الإغريقية.. فكيف فهم ما سمع؟.. وكيف تأكد مما كتب؟.. وكيف طاوعه ضميره في نشر كتابه؟.. ثم والأهم كيف روجنا لهذا الكتاب؟.. هل هي عقدة الخواجة التي لم نتخلص منها؟.. هل هو الاستسلام الأعمى لكل شهادة مستوردة؟... هل هو السر الباتع للولي البعيد؟.. وما الذي جعلنا نحافظ على هذه الخرافة كل هذه القرون ونضفي عليها كل هذه القداسة حتى أصبحت حقيقة راسخة؟. وأغلب الظن أنه وصل الى مصر على سفينة تجارية إغريقية.. فهبط الدلتا ثم غادرها الى الجنوب حتى وصل الى أسوان.. وكان يقيس مراحل انتقاله بالأيام.. ورغم ثرائه فإنه لم يكلف رحلته كثيرا من المال.. فقد تكفل كرم المصريين بنفقات طعامه وشرابه ونومه.. وربما ما هو أكثر من ذلك. لكنه رغم ذلك نسب الى المصريين ما يقارب بينهم وبين القبائل الهمجية.. البربرية.. فهم على حد وصفه قساة القلوب.. يتركون القطط وقد اشتعلت فيها النيران دون أن يسعوا الى إطفائها.. وكأنهم يتلذذون بحرقها.. مع أن القطة كانت حيوانا مقدسا عندهم.. عبدوها ودللوها وحنطوها ودفنوها في مقابر خاصة واعتبروها رمزا من الرموز الملكية.. وعندما كانت تموت قطة في بيت ما فإن أهله كانوا يحلقون حواجبهم حزنا عليها.. وكانوا يحلقون شعر البدن كله اذا ما مات لهم كلب.. إنهم أول شعب عرف حقوق الحيوان.. فقد نجح في تدريب التماسيح واستأنسها ووضع الذهب والأحجار الكريمة في أذنها.. ولم يكونوا يأكلون رأس أي حيوان.. بل كانوا يلقون به في النهر.. وكانوا يعتقدون أن تناول الرأس يسبب اللعنة.. وأيضا ذبح أي ثور به شعرة سوداء وتقديمه قربانا للآلهة.. كانت عقوبة ذلك الموت.. وكذلك كان محرما ذبح أي بقرة مهما كانت.. فالبقرة كانت رمزا لإيزيس.. أو كانت إيزيس تصور في المعابد في هيئة امرأة لها قرنان.. وكان المصريون يرفضون تقبيل اليونانيين على الشفاه.. فاليونانيون كانوا يأكلون لحم البقر.. ومن ثم لا يستحقون التقبيل. الحيوان الوحيد الذي كان المصريون يقاطعونه هو الخنزير.. كانوا يعتبرونه نجسا.. لو لمسه مصري ذهب وألقى بنفسه في النيل دون أن يخلع ملابسه.. فملابسه تحتاج هي الأخرى الى تطهير.. ولم يكن مسموحا لرعاة الخنازير دخول المعابد.. وكان سائر الناس لا يتزوجون منهم.. بل كانوا يتزوجون فيما بينهم.. وعندما كانوا يقدمون خنزيرا ضحية فإنهم كانوا يشترطون اكتمال القمر.. ثم كانوا يحرقونه أو يتركونه للراعي الذي باعه.. ولا يأكلون منها.. كانوا فقط يتقربون به الى إيزيس في يوم عيده.. كي يملك قدرة الخنزير على تحمل ظروف الحياة الصعبة بعد أن قتله شقيقه ست وفرق أعضاءه على كافة أنحاء البلاد.. وراحت زوجته إيزيس تجمعها واخترع «هيردوت» وصفا لا وجود له لكيفية احتفال المصريين بعيد إيزيس في معبدها بوسط الدلتا.. تخيل أن المصريين يبحرون رجالا ونساء في قوارب مشتركة... الرجال يزمرون.. ويطبلون.. والنساء يرقصن بتعرية أجسادهن.. وعند كل قرية يتوقف القارب وتنزل النساء ليردحن لنساء القرية ويسخرن منهن دون أن ينسين رفع الثياب والتغزل بما حباه الله لهن من فتنة وأنوثة.. وليس هناك مرجع آخر يشير الى هذه الخرافة من قريب أو بعيد.. بل أن كل المراجع التي تتحدث عن ديانة المصريين تؤكد أنهم كانوا يتطهرون في مثل هذه المناسبات ويتقربون الى الآلهة بأضحيات عظيمة.. ما أن يذبحوها حتى يدعون بالخير والنماء والإخصاب.. وكانوا يشعلون جميعا مصابيح مملوءة بالزيت والملح على شكل دائرة حول منازلهم.. وكانت بلادهم في تلك الليلة تشتعل نورا وورعا.. ولم يكونوا يلطمون خدودهم ويشرطون جباههم بالمشارط كما يقول «هيردوت».. فقد خلط بينهم وبين قبائل الرعاة على الحدود الغربية.. ولم يكونوا يتشاجرون مع الكهنة بالعصي.. كما قال.. وفي هذه المشاجرات تشج الرؤوس.. وتسيل الدماء.. وتسقط الضحايا كما قال أيضا. لقد كان المصريون أول من اهتدوا لفكرة الآلهة وأول من بنوا لها المعابد وقدموا لها القرابين.. وأول من رفع من شأن رجال الدين وقبلوا الوساطة بينهم وبين الآلهة.. ومنحوهم مميزات حرموا منها أنفسهم.. فقد أعطوهم ما جعل حياتهم ناعمة.. مريحة.. خبز القمح.. نبيذ العنب.. لحم الأوز والسمك.. وثياب كتان ناصعة البياض.. بينما قنع عامة الناس بتناول الفول.. وثوب واحد يغسلونه وينتظرون؟ حتى يجف.. فعلوا ذلك بحثا عن البركة والشفاعة في العالم الآخر.. ومن ثم لا يمكن تخيل أنهم يعتدون على الكهنة في معابدهم مهما كانت الأسباب.. بل ان المصريين من شدة تقديسهم للكهنة والمعابد كانوا الشعب الوحيد في الحضارات القديمة الذي حرم مجامعة النساء في المعابد كما أنهم حرموا دخولها دون تطهر واغتسال. وفي الوقت الذي كان فيه المصريون قد حسموا قضية الأبدية والحساب والعقاب في النعيم والجحيم نجد «هيردوت» يصور أجدادنا وهم يسخرون من الموت ويستهزئون من الموتى.. إن المصريين كانوا يصفون من مات بأنه رحل أو انتقل في إيمان راسخ بأنه لم يمت وإنما سافر الى العالم الآخر وقد بنوا مدن الموتى ناحية الغروب ودفنوا معهم كل ما يحتاجونه من ثياب وحلي وطعام وأدعية تنقذه وقت الحساب.. وقت الميزان.. ميزان القلب والضمير وما فيهما من ذنوب وأعمال صالحة.. لكن.. «هيردوت» يقول: إن أغنياء مصر كانوا بعد أن ينتهوا من طعامهم وشرابهم يؤدون مسرحية غريبة.. يطوف بهم رجل يحمل جثة من الخشب تشبه تماما بما عليها من نقوش وتصوير.. جثة تكاد تكون حقيقية.. ويريها الرجل كل فرد من ضيوفه الحاضرين وهو يقول: «أنظر الى هذه.. ثم تمتع بالحياة.. اشرب.. اضحك.. لا تعتزل النساء.. فهذا هو مصيرك بعد الموت». ولكننا نحمد الله أن «هيردوت» لاحظ احترام الصغار للكبار.. فعندما كان يقابل الشبان الشيوخ يفسحون لهم الطريق ويتنحون جانبا.. وعندما يقبل عليهم الشيوخ يقومون من مقاعدهم.. وعندما يقتربون منهم ينحنون احتراما ويخفضون اليد حتى الركبة.. وهو مشهد لم يعد قائما في حياتنا. ولم يجانب «هيردوت» الصواب عندما لاحظ تحكم الخرافة في المصريين وتمكنها منهم.. فهم يدمنون اكتشاف «علامات الغيب».. ومولعون بتحويل كل شئ الى «معجزة».. وفي بيوتهم سجلات لكل ما هو غير مألوف للعقل البشري.. وتكاد حياتهم تكون سلسلة من التفاؤل والتشاؤم.. وربما كان مثيرا للدهشة أن مصادر التفاؤل والتشاؤم عندهم تكاد تكون واحدة.. فالعيون السوداء الواسعة تضعف مقاومتهم تجاه النساء.. لكنها في الوقت نفسه مصدرا للحسد.. والقطة السوداء عندما تكون تمثالا فهي حماية من الشر.. وعندما تكون حية تموء فإنها نذير شر.. وعلامة على تشريف ملك الموت. ولم يجانبه الصواب عندما تحدث عن موهبة المصريين في الطب.. فكل عضو في الجسم له طبيب متخصص.. العين.. الرأس.. الأسنان.. الأمعاء.. القلب.. الأعصاب.. وعرف المصريون الطب الشرعي.. وكشفوا خبايا الجرائم.. بما في ذلك الزنا.. وكانت عقوبتها تنازل المرأة عن كل ما تملك لزوجها قبل أن تتركه.. لكن العقوبة لم تكن تتجاوز ذلك.. فلا رجم.. ولا إهانة.. ولا سجل أسود يمنع المرأة من الزواج مرة أخرى.. وكان الطبيب الشرعي هو الوحيد المخول له اصدار شهادات الوفاة.. وربما لهذا السبب كان الرجل نذير شؤم.. ما أن يظهر في بيت حتى يستعد أهله وجيرانه على وضع علامة سوداء عليه.. أما النساء فكن يلطخن الرأس والوجه بالطين تعبيرا عن الحزن.. وكن يتركن الجثة في البيت ويطفن الطرقات وقد كشفن عن صدورهن.. والرجال كذلك يلطمون ويشمرون.. وعندما ينتهي ذلك يحملون الجثة لتحنيطها استعدادا لدفنها. لكن.. لا يستمر «هيردوت» طويلا في صوابه إذ سرعان ما يعود الى خرافاته.. فهو يقول: إن زوجات العظماء والنساء الفائقات الحسن والذائعات الصيت لا يسلمن مباشرة بعد موتهن للتحنيط.. ولكن بعد انقضاء ثلاثة أو أربعة أيام على موتهن.. عندئذ تسلم جثثهن للمحنطين.. وذلك حتى لا يجامعوا أولئك النسوة.. «ويحكي أن أحدهم قبض عليه وهو يواقع جثة امرأة ماتت حديثا حين وشى به أحد زملائه».. وقد أنكر مثل هذه الواقعة المؤرخ البريطاني «سيس» في كتابه الشهير «إمبراطوريات الشرق القديمة» الذي صدر في لندن عام 1883. ووصف معظم ما قاله «هيردوت» عن طبائع المصريين وسلوكياتهم بأنه نوع من حكايات الرحالة المغامرين الذين لا هم لهم سوى الاستمتاع في أماكن اللهو الخفية والسرية.. ومن ثم لا يرون من الشعوب التي يكتبون عنها سوى النصف السفلي من البشر.. بصريح العبارة وصف «هيردوت» بالجهل والعجز عن إدراك الحقائق والنقل عمن سبقوه دون الإشارة إليهم.. والأخطر اتهمه بأنه كان يكتب ما يسمع من عامة الناس.. ويعتقد المؤرخ الألماني «ألفريد ويدمزن» أن ما قاله «هيردوت» عن المصريين نوعا من خرافات عابري السبيل.. وقد أشار الى ذلك الدكتور أحمد بدوي في هوامش الترجمة العربية لكتاب «هيردوت» التي قام بها الدكتور محمد صقر خفاجة.. وقد نشرت الترجمة الهيئة المصرية للكتاب عام 1987. إنني لا أطالب بتكذيب ما في الكتاب.. ولا أطالب ببيان من وزارة الخارجية ينفي ما جاء فيه.. ولكن.. كل ما حدث هو أنني شاهدت وقرأت وانفعلت وكتبت.. وفي النهاية أدركت: أن كتابة التاريخ خرافة عظيمة.. وأن علينا إعادة النظر في أشياء كثيرة.. أقدم بكثير مما نتصور. ـ كاتب مصري