مع حلول الذكرى الأولى لاحداث سبتمبر ـ قبل يومين ـ قصفتنا فضائيات عربية بأدق تفاصيل ما جرى في نيويورك وواشنطن، وحاصرتنا بتجمعات وكلمات وتنقلات الرئيس الأميركي خطوة خطوة. هذه الفضائيات عاشت بحق يوم تضامن مع الولايات المتحدة، ولم نألف منها ذلك في مجازر وكوارث الأمة العربية على ايدي الاميركان والصهاينة. وفي تضامنها هذا حرصت ان تنقل لنا ملامح الحزن ومشاهد اجترار البكاء، وكأنها تريد منا ان نبكي مثلما يبكون، وأن نحزن مثلهم وعلى طريقتهم، ولولا العيب لدعتنا ـ هذه الفضائيات ـ الى رفع الاعلام الأميركية فوق شرفات منازلنا مثلما فعل الاميركيون. مع اننا كعرب نقتات الحزن ونتجرعه كل يوم، وليس في قلوبنا متسع لأحزان جديدة، فيكفينا ما يجري فوق ارض فلسطين المقدسة من مجازر يومية على يد السفاحين الصهاينة المتسلحين بالعتاد العسكري والدعم السياسي الأميركي. ويكفينا ايضا كعرب الخوف والترقب من المصير الذي تدبره وتحيكه الولايات المتحدة الأميركية للعراق. لقد ارادت لنا هذه الفضائيات العربية ـ في يوم الحادي عشر من سبتمبر الذي حل قبل يومين ـ ان نأخذ اجازة من الاحزان العربية ونملأ قلوبنا حزنا على الولايات المتحدة، رغم ان كل ما يجري على ارضنا وفي بلادنا من كوارث ومصائب يتم بأيدٍ اميركية.. انظروا الى العراق وفلسطين. وقد يرى البعض ان ما اقدمت عليه هذه الفضائيات هو نوع من المهنية او الحرفية الاعلامية، ولكن اذا قبلنا بهذا المنطق، فان هذه المحطات لم تنفرد في ذلك اليوم ـ تحديدا ـ بأي جديد لم تقدمه غيرها من الفضائيات ولم تقدم تحليلا يخرج عن مجمل ما قيل وتردد خلال العام الماضي بأكمله.. والاكثر غرابة انها اهتمت بالشارع الأميركي ولم تهتم بالنزول الى الشارع العربي. وكأنها أرادت للشارع العربي ان يتحول فقط الى متلق لكل ما تبثه من واشنطن ونيويورك.. كما لم تحاول ان تفرض على خريطتها الاعلامية في ذلك اليوم السؤال الذي يتهرب الأميركيون ـ ساسة ومسئولين ـ من الاجابة عليه. هذا السؤال ـ القديم المتجدد ـ هو لماذا حدثت هذه الضربات ضد الولايات المتحدة على وجه الخصوص دون غيرها من الدول الكبرى؟ ان الاجابة على هذا السؤال نعرفها جميعا نحن العرب والمسلمين، ولكن لا احد في نيويورك أو واشنطن حاول على مدى عام أن يجيب عليه بصدق فكل ما قالوه وردده اعلامهم كان بعيدا عن الحقيقة، فاجاباتهم انحصرت في: «ان العرب والمسلمين حاقدون على نموذج الحياة الأميركية».. «المسلمون ضد التطور والحداثة».. «الاسلام دين عنيف لا يعترف بالديمقراطية والحريات العامة» وغير ذلك من الاكاذيب التي لا تزال تتردد. هذا السؤال ـ رغم أهميته القصوى ـ غيبته وسائل الاعلام الأميركية للعام الثاني على التوالي، ولم تحاول تلك الفضائيات العربية الحزينة ـ على طريقة التابع والمتبوع ـ ان تفرضه على الغرب والأميركيين في ذلك اليوم، مع ان شرائط اسامة بن لادن ورجاله قدمت الاجابة على هذا السؤال من وجهة نظرهم على الاقل. واللوم هنا لا يوجه لتلك الفضائيات العربية وحدها، وانما الى الجامعة العربية والسادة كبار القائمين على شئون الاعلام العربي الذين تحدثوا كثيرا عن خطط عربية مشتركة تهدف الى «تحسين صورة العرب» وقالوا انهم ناقشوا هذه الخطط في اجتماعاتهم المتكررة.. أين هذه الخطط الآن؟ لقد كان حريا بالقائمين على الاعلام العربي اظهار خططهم الموحدة في تلك المناسبة ليشترك الجميع في تنفيذها في يوم كالحادي عشر من سبتمبر بدلا من هذا التشتت الاعلامي الذي غنت فيه كل فضائية على قيسها وليلاها، أو غنت فيه بالاحرى على أميركتها. ألم يكن من الافضل ان يقدم الاعلام العربي في ذلك اليوم المآخذ التي يراها العرب في السياسات الأميركية؟ ألم يكن من الأنسب تعداد اسباب تجذر وتصاعد مشاعر الكراهية العربية تجاه السياسات الأميركية؟ ألم يكن يوم الحادي عشر من سبتمبر فرصة سانحة لاظهار التضامن العربي مع الشعب العراقي ضد المخططات الأميركية؟ لعل مثل هذه الضغوط تثمر في احداث مراجعة اميركية لسياساتها بالمنطقة. المحزن حقا ان ذلك لم يحدث، حتى ان اشهر هذه الفضائيات العربية لم تشأ ان يمر اليوم دون ان يظهر شيمون بيريز وزير خارجية شارون على شاشاتها ليكيل الاتهامات للشعب الفلسطيني ولفصائله المقاومة ويجدد اتهامها بـ «الارهاب»، وهو يتحدث من موقع تحطم برجي مركز التجارة بنيويورك، فأي دلالة يحملها مثل هذا اللقاء في هذا المكان والزمان؟ ان ما فعلته مثل هذه الفضائيات العربية كان دعاية «مجانية» للولايات المتحدة واسرائيل.