بقي من فرسان «أخبار دبي» نفر يعدون على اصابع اليد الواحدة، مأمون أحد الذين شهدوا بدايات ميلادها وايامها الاخيرة. واولئك الذين نشرت لهم المجلة، تواصلوا معها وعرفوها عن قرب، لابد انهم يعرفون مأمون عطية جيدا، انه بالتأكيد جزء من تاريخهم وذكرياتهم، كذلك الشعراء والادباء الذين انطلقوا أو تألقوا في صفحة «الشعر الشعبي» بـ «البيان» ومارسوا من خلالها عشقهم وابداعاتهم، وحفظوا لها الود والتواصل، لا ينسون وجه وصوت مأمون، انه مميز عندهم، فهو الساعد الايمن للمشرف عليها المرحوم حمد بن خليفة بوشهاب، كان معه منذ بدايات انطلاق أشهر صفحة شهرية متخصصة رسم لها موجهها ان تكون قوية وان تكون كذلك دائما، لا ترضى على صفحاتها الا بالكبار والاقوياء. رحلة مأمون عطية في بلاط صاحبة الجلالة التي زادت عن الثلاثين عاما مع اولئك الذين ولدوا مع «اخبار دبي» او الذين تواصلوا واشتهروا من صفحة الشعر السبتية، ومع كل الزملاء والزميلات في «البيان» وغيرها، رحلة كل ما فيها ابتسامة من قلب طيب يحب الجميع، لا يبخل بالكلمة الحسنى، ولا تسمع منه الا الخير حتى عن اولئك الذين يمرون عليك، او تعرف جيدا انهم لا يعرفون امر الخير، انهم عند مأمون اخيار ايضا، فعنده تصنيف وحيد لكل الذين يعرفهم او تعامل معهم، انهم ينتمون الى مجتمع المدينة الفاضلة التي يحملها في دواخله ويبشر بها، يقول من يسمع يسر كلماته وما تحويه من مثالية، ان الحياة يبدو انها لم تعطه سوى وجهها الجميل. لكن حياته ـ أمد الله في عمره ـ لم تكن كذلك وهو اقدر على ان يصف يوما ما كل دروبها واقدارها، وكيف سارت به وحملته اثقالا واوجاعا واحزانا، لولا رحمة القلب الطيب الذي يحمله وتسبيحة الحمد لله التي التزم بها في كل الاحوال والاهوال التي مرت عليه، لولا هاتان لاختلف عالمه، واختلف كل شيء فيه وحوله. آخر الاوجاع وأثقل الاحزان ان تفقدك الحياة وانت على كبر، اغلى ما تملك، ذلك هو نسلك، روحك، وحلمك، وبقاياك في هذا الوجود، فكيف لو ان الموت خطف منك هذا الامل وهو في أغلى سنوات عمره، وانت في اعز احتياجك له وفرحتك به، ماذا لو كان هذا الابن هو الاول، هو البكر، وماذا لو اثقل عليك الموت اكثر، واختار ان يكون نصيبه منك اكبر الاولاد واصغر الاولاد معا، وان يكون زمن الرحيل متقاربا بينهما مجرد اشهر معدودات. كيف سيكون حالك، كيف ستكون دنياك؟! «بومروان» احد هؤلاء الذين عاشوا هذا الموت، وحلت بهم ابشع كارثة يمكن ان تحل بانسان، مات عنده في بيته ابنه الاصغر «أمير» وقبل ان يسكت جرح قلبه ويجف ملح دموعه الساخنة، تبعه شقيقه الاكبر «مروان» الابن البكر، في اللحظة التي كانت فيها أمه تحزم حقائبها محملة بالهدايا لترحل اليه، شوقا لرؤيته بعد رحلة غياب طويلة. يوم واحد وقف فاصلا بين سفر الام لولدها وبين سفره الى العالم الآخر، تركت حقائب سفرها مغلقة وسكتت عن كل شيء! من يصدق هذا؟ وحتى لو صح ذلك، فان قلب الأم لم يعد يسلم بالواقع، انها هناك، مازالت في عالم ان يعود «أمير» ويأخذها معه لترى «مروان». عظمت بلوى مأمون هذه المرة بنصفه الآخر، اقرب مخلوق عاش معه حلو العمر ومره، فماذا بقي عنده يستحق الحياة وماذا بقي فيه يواجه به ايامها المقبلة! عشت معه اكثر من عشرة اعوام هي التي جمعتنا في «البيان» وحادثته قبل اشهر معزيا في وفاة ابنه الاول، ولم املك القوة وكلمات العزاء لاحادثه عندما سمعت خبر وفاة ابنه الثاني، وآثرت ان احزن له من بعيد. قبل يومين دخل مسلماً مبتسما كعادته، وسمعت منه تفاصيل رائحة الموت عندما تغزو الروح وتنفضها ويطعمها الجسد، اكثر من مرة. رفض ان ابقى في حالة ذهول مصابا بالوجع لاحزانه، عندما تحامل ووقف مغادراً. امرني بالضحك، وروى لي نكتة ليجبرني على ذلك. ان الحياة كما يقول لا تستحق اكثر من ذلك. وكانت وصيته لا تنسى ان تقول الحمد لله دائما، عندما تنظر لغيرك، وعندما تتأمل حياتك مهما كان لونها وطعمها، انها نعمة عظيمة تشعرك بالفرح الداخلي ان تقول في كل اوقاتك: الحمد لله.