تصاعدت في الأونة الأخيرة الحملات السياسية الاعلامية ضد مصر في الخارج، بدءا بإسرائيل التي يلوح وزراؤها الحاقدين بضرب السد العالي، وإعادة احتلال سيناء، متواكبة مع الولايات المتحدة التي تشن وسائل اعلامها حملات هجوم متواليه ضد مصر، كانت آخرها ما يتعلق بقضية سعد الدين إبراهيم، وقد أسفرت هذه الحملات عن إعلان الإدارة الأميركية وقف المساعدات الإضافية لمصر. وإذا كان ما يصدر من تهديدات ضد مصر من جانب إسرائيل والولايات المتحدة ليس غريبا ولا مفاجئا بالنظر لموقفهما المعادي المعروف منها، إلا أن المفاجأة التي أصابت مصر بالدهشة، موقف القيادة السودانية التي صرحت لإحدى الصحف العربية مؤخرا أن السودان لم يتنازل عن دعاوية في منطقة حلايب المصرية، فهل كان تجمع كل تلك المواقف في هذا الوقت بالذات أمراً مخططاً للضغط على القيادة المصرية، لكي تتحول عن مواقفها القومية المبدئية المعلنة والمعروفة حيال القضايا العربية. المنطقة تتفجر أبرز هذه القضايا العربية رفض ممارسات حكومة شارون العدوانية في حق الشعب الفلسطيني ومخططاته لابتلاع الـ 22% الباقية من اراضي الضفة الغربية، وتصفية القيادات الفلسطينية، وذلك بدعم ومساندة وتشجيع الإدارة الأميركية، بالإضافة لرفض مصر المخططات الأميركية لضرب العراق، لما يشكله ذلك من تهديد لأمن واستقرار كل البلدان العربية، وهو ما حاول الرئيس مبارك في زياراته الأخيرة لواشنطن اقناع القيادة الأميركية به، بل وخطورة ذلك على المصالح الأميركية ذاتها، لما سينتج عن ذلك من تداعيات في الاحداث لن تتمكن القوى الدولية والإقليمية من السيطرة عليها، حيث قد يصل الأمر إلى تفجر المنطقة بالكامل. والدليل على ذلك زيادة تورط الولايات المتحدة عسكريا يوما بعد يوم في المستنقع الأفغاني على النحو الجاري. وكان قد سبق للرئيس مبارك أن رفض كل الاغراءات والضغوط الأميركية للمشاركة في الحملة العسكرية ضد أفغانستان، رغم إدانته للإرهاب، ودعواته المستمرة منذ سنوات إلى عقد مؤتمر دولي لبحث ظاهرة الإرهاب ومكافحته، وهو ما لم تستجب له واشنطن حنى فوجئت بضربات 11 سبتمبر، ولكنها سلكت الطريق الخطأ في علاجه، مما أثار شعوب العالم ضدها - خاصة العربية والإسلامية - عندما وجهت الإدارة الأميركية سهامها ضد الإسلام والعروبة باعتبارها في النظرة الأميركية القاصرة سبب ظاهرة الإرهاب. تحريض صهيوني ولم يكن خافيا على أحد أن هذا الموقف الأميركي - كما قال ليندون لاروش مرشح الرئاسة الأميركية السابق- كان ولايزال بتحريض من اللوبي الصهيوني وإسرائيل، حتى فقدت الإدارة الأميركية القدرة على إدراك المخاطر والتهديدات التي يمكن أن يتعرض لها الأمن القومي والمصالح الأميركية من جراء هذا الموقف، ليس فقط على الساحة الشرق أوسطية، بل على كل الساحة العالمية، بسب تبينها لأهداف وتوجهات حكومة شارون في إسرائيل، والتي لا تتورع عن اشعال العديد من بؤر التوتر في العالم، وتوريط الولايات المتحدة فيها، خدمة للمصالح الإسرائيلية بعيدة المدى، وهو ما نشاهده اليوم واضحا في تحفيز شارون للمسئولين الأميركيين للإسراع بتوجيه ضربة ضد العراق، وستأتي إيران بعد العراق وبعدها سوريا وليبيا ولبنان.. والله أعلم من بعد ذلك من البلدان العربية والإسلامية في جعبة المخططات الإسرائيلية - الأميركية؟ ولقد أدرك الرئيس مبارك خطورة انصياع الإدارة الأميركية للمطالب والاهداف الإسرائيلية في دفع الولايات المتحدة إلى مغامرات عسكرية في منطقة الشرق الأوسط، تخدم في الأساس مصالح إسرائيل، والتي لن تنتهي إلا بأحكام هيمنتها السياسية والأمنية والاقتصادية على المنطقة العربية تنفيذا لمخططات قديمة وحديثة في آن واحد مثل مخطط «الكومنولث العربي» الذي وضعه الزعيم الصهيوني المتطرف جابوتنسكي في الثلاثينيات لتقسيم المنطقة العربية إلى دويلات صغيرة على أسس عرقية وطائفية تدور في أفق إسرائيل باعتبارها القوة الإقليمية العظمى في المنطقة، والمخططات الحديثة التي يستهدف شارون من ورائها ضم الضفة الغربية لإسرائيل، وترحيل الفلسطينيين إلى شرق الأردن باعتباره وطنهم البديل، وحصر الباقي في قطاع غزة فيما يشبه معازل السود في جنوب أفريقيا التي عرفت ( بالبنتوستونات ) في ذات الوقت الذي يعمل فيه على تهجير مليون يهودي إلى إسرائيل خلال ثلاث سنوات لإصلاح الميزان الديموغرافي الذي يميل بشدة لصالح الفلسطينيين، ويهدد إسرائيل بأن تتحول إلى دول ثنائية قومية. ولقد فطن الرئيس مبارك لكل هذه المخططات، وأدرك خطورتها على أمن واستقرار العالم العربي. لذلك عندما توجه في زيارته الأخيرة لواشنطن استمر على مواقفه المبدئية المعلنة ولم يخفها ولم يتخل عنها، كما أن التهديد والوعيد، وهجوم الصحافة الأميركية الشرس ضده، لم تنفع في تغيير موقفه، وخاصة بالنسبة للفلسطينيين. وهي مواقف شملت سحب السفير المصري من تل أبيب، واستمرار دعم الفلسطينيين وسلطتهم الوطنية برئاسة عرفات. ولم تفلح الصحافة الأميركية بممارساتها الإرهابية في أن تجر الرئيس مبارك إلى مواقف متشنجة قد تسبب أزمة في العلاقات المصرية - الأميركية، حيث استطاع أن يحافظ على هدوئه، وأن يرد على بعض الاعلام الاميركي الموجه من إسرائيل، في ذات الوقت الذي كان فيه صلبا في مواقفه، صلبا في عدم التنازل عن أي حق من الحقوق العربية والفلسطينية، مما هز حكومة شارون، وجعلها تواجه المأزق الذي وضعت نفسها فيه، ولا تستطيع الخروج منه إلا بالهروب إلى الأمام. لا تهديد ولا ابتزاز فإذا كانت الإدارة الأميركية تدرك تماما حقيقة مواقف الرئيس مبارك، وأنه لا يقبل التهديد ولا الابتزاز، فكيف يمكن لها أن تتصور أن قرارها الأخير بوقف المساعدات الإضافية عن مصر، والتي لا تتجاوز 150 مليون دولار، يمكن أن يحقق ضغطا على الرئيس مبارك يدفعه إلى تغيير موقفه من قضية سعد الدين إبراهيم والذي حكم عليه بالسجن سبع سنوات لإدانته بتلقي أموال من الخارج من دون إذن، والإساءة لسمعة مصر، لقد كان وزير الخارجية أحمد ماهر واضحا تماما في طرح الموقف المصري عندما قال «أن القاهرة لا تقبل ضغوطا ولا ترضح لها، وأن الجميع يعرف ذلك، لاسيما وأن قضية إبراهيم بت فيها القضاء المصري والذي لا تتدخل السلطة التنفيذية في أعماله، ونطلب من الجميع أن يحترموا قضاءنا كما نحترم قضاءهم.. وأن أي محاولة للضغط على مصر لن تكون لها أي نتيجة». فهل تظن الإدارة الأميركية لوهلة أن مبلغ 150 مليون دولار يمكن أن يغير مبادئ القيادة السياسية في مصر؟ إذا كانت تظن ذلك فلاشك أنها واهمة وتخدع نفسها، وتثبت أن معلوماتها ومدركاتها عن مصر شعبا وحكومة خاطئة تماما، ذلك أن الشعب المصري يفضل أن يجوع ويأكل العشب على أن يتنازل عن إرادته ومبادئه ولو مقابل ملايين الدولارات. ثم كل هذا من أجل من؟ من أجل رجل ظن أن جنسيته الأميركية يمكن أن تعطيه حصانة من مساءلته وعقابه على التهم التي أثبتها القضاء عليه؟ أن سعد الدين إبراهيم الذي بذل جهودا مضنية من أجل دفع الإدارة الأميركية وجماعات حقوق الإنسان للضغط على الحكومة المصرية للإفراج عنه، قد خسر كثيرا هذا الموقف الأميركي الأخير، حتى من قبل المتعاطفين معه من منطلقات حرية الفكر وحقوق الإنسان.. الخ. أن الإدارة الأميركية لم تستفد من درس سابق مماثل في هذا الشأن، عندما رفضت مصر كل الضغوط الأميركية والإسرائيلية التي مورست ضدها من أجل الافراج عن الجاسوس الإسرائيلي المحكوم عليه بالسجن عزام عزام، والذي لايزال يقضي عقوبة السجن الموقعة عليه. مؤشر استراتيجي لذلك فإن هذا الموقف الأميركي الأخير لا يعد تعبيرا عن قضية تكتيكية طارئة في العلاقات المصرية - الأميركية، ولكنها مؤشر على متغير استراتيجي في العلاقات بين البلدين له ما وراءه، يرتبط بالتغيرات الجذرية، التي تشهدها الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، وهو ما عبر عنه د. مصطفى الفقي في قوله: «إن هذه الخطوة تعد جزءا من عملية توفيق الأوضاع بعد أحداث سبتمبر ومحاولات أميركية لابداء ملاحظاتها على الأنظمة المختلفة في المنطقة، وهذا أمر يفتح بابا لا يمكن اغلاقه، ويدعو إلى حالة من حالات الاستفزاز أو الاستنفار التي لا ترجو أن تصل إليها»، وهذا التصريح يتوافق تماما مع ما توصل إليه كثير من المراقبين من أن القرار الأميركي الأخير لا علاقة له بقضية حقوق الإنسان، ولكنه عقاب لمصر على مواقفها السياسية السابق الإشارة لها خاصة وأنه يتواكب مع ضغوط مماثلة تتعرض لها السعودية، وذلك بهدف كسر إرادة أكبر دولتين عربيتين، وتطويعهما للإرادة الأميركية، وهي رسالة لها مغزاها ينبغي أن تفطن لها مصر حكومة وشعبا وهي تصيغ سياساتها الخارجية تجاه الولايات المتحدة على الساحتين الإقليمية والدولية، وعلى قياداتنا السياسية والعسكرية في مصر أن تدرك أهمية تقليص اعتمادنا على الولايات المتحدة وغيرها في تلبية احتياجاتنا الرئيسية، خاصة في الغذاء أو السلاح ولا مناص ولا بديل عن الاعتماد على ذواتنا في ذلك إذا أردنا حقا تحرير إرادتنا كاملة من أي ضغوط خارجية. ـ كاتب مصري