هل يحيق الندم بالرئيس جورج بوش لاحقا اذا نفذ خطته لغزو العراق بطريقة انفرادية احادية؟ السؤال مطروح كاستدعاء لسابقة مماثلة غيرت مجرى التاريخ المباشر. فقد كان الفشل الذي منيت به خطة غزو مصر في عام 1956 التي ابتدرتها بريطانيا تدبيرا وتنفيذا (بمشاركة فرنسا واسرائيل) بداية العد التنازلي المتسارع للمرحلة الاخيرة من نهاية الامبراطورية البريطانية، وبالتالي نهاية بريطانيا نفسها كقوة دولية من الدرجة الاولى، وكان من بين تداعيات الفشل الفرعية نهاية الحياة السياسية لرئيس الوزراء البريطاني انتوني ايدن.. صاحب خطة الغزو. بغض النظر عن التفاصيل فان استهداف العراق اليوم اميركيا لا يختلف جوهريا عن استهداف مصر بريطانيا قبل 46 عاما كعدوان سافر غير مبرر اطلاقا بأي مبدأ من مباديء القانون الدولي. ولذا فان من المحتم ابتداع ذريعة مفتعلة في الحالتين بغرض اخفاء دافع لايجوز البوح به وتوقع قبوله عالميا. في حالة «حرب السويس» التي تزعمتها بريطانيا بالامس كما في حالة غزو العراق التي تتبناها الولايات المتحدة اليوم فان المطلوب هو الاطاحة بنظام حاكم يمثل «خطرا» من وجهة نظر القوة الخارجية الغازية ولكن، كما انه لم يكن بوسع انتوني ايدن ان يعلن صراحة للعالم ان نظام جمال عبدالناصر يهدد الوجود البريطاني الاستعماري في العالم العربي بتأليب الشعوب العربية ضد انظمة حاكمة متحالفة مع بريطانيا فانه ليس بوسع جورج بوش اليوم ان يعلن ان اعتبارات حماية اسرائيل من عراق مستقبلي قوى تمثل الدافع الحقيقي لضرب العراق. لقد عرفت حرب السويس ايضا باسم «العدوان الثلاثي» كناية عن المشاركة الفرنسية والاسرائيلية مع بريطانيا في خطة الغزو، وبينما كانت باريس ترى في الاطاحة بنظام عبدالناصر توقف امدادات السلاح المصرية الى الثورة المسلحة في الجزائر ضد الادارة الاستعمارية الفرنسية كانت تل ابيب ترى في ذلك توقف هجمات مجموعات الفدائيين التي كانت تنطلق من قواعد مصرية في سيناء نحو اهداف داخل اسرائيل. والخطة التي تعدها الآن ادارة بوش لضرب العراق يمكن ان تعتبر على نحو او آخر «عدوانا ثلاثيا» اذا اخذنا في الاعتبار المشاركة البريطانية المباشرة والمشاركة الاسرائيلية غير المباشرة. ولنعد الى السؤال المطروح: هل يكون الفشل من نصيب خطة بوش بشأن العراق كما كان من نصيب خطة ايدن بشأن مصر؟ وبالطبع فان السؤال مطروح على اساس ان الولايات المتحدة ستعمد الى تنفيذ خطتها بصورة انفرادية في وجه معارضة دولية واسعة النطاق تماما كما كان الحال بالنسبة للمغامرة العسكرية البريطانية ضد مصر. لقد كان العامل الاساسي لفشل الغزو البريطاني لمصر يتمثل في معارضة شرسة داخليا وعالميا. فمن ناحية التهب الرأي العام في بريطانيا وخرجت مظاهرات ضخمة تندد بالغزو بينما انقسم مجلس الوزراء البريطاني على نفسه فانعكس الانقسام داخل برلمان صاخب وغاضب اصلا حيث انقلب قسم من نواب حزب المحافظين على حكومتهم مما ادى الى استقالة وزيرين. ومن ناحية اخرى خرجت عواصم العالم في مظاهرات متعاظمة على خلفية غضب حكوماتها.. ومن بينها حكومات اوروبية وغير اوروبية من المفترض انها كانت حليفة لبريطانيا. واضطرت حكومة ايدن الى وقف الحملة ضد مصر بعد ايام فقط من بدايتها.. وقبل ان تحقق اهدافها المرسومة فقد انتقل الصخب العالمي الى الامم المتحدة حيث صدر قرار يلزم بريطانيا بوقف اطلاق النار من ناحية ويتضمن ارسال قوة سلام دولية الى مصر.. وقد كان. وعندما ينظر المؤرخون الان الى «حرب السويس» عبر ما يقارب نصف قرن للوراء فانهم يرصدون مغزاها التاريخي كنقطة تحول حاسمة كانت ايذانا بتسريع العد التنازلي للامبراطورية البريطانية. فقد خسرت بريطانيا قناة السويس الى الابد.. وتضعضع نفوذها في منطقة الخليج مما افسح المجال للولايات المتحدة لملء الفراغ. والآن ومع تحفز الولايات المتحدة لغزو العراق فان التذمر العالمي يتصاعد ضد واشنطن حتى قبل ان تبدأ الحملة وهو تذمر تقوده دول حليفة. واذا كانت المعارضة انطلقت اولا من ألمانيا فانها سرعان ما اتسعت لتشمل فرنسا وبلجيكا وكندا واليابان. فهل تتعظ واشنطن.. أم ان التاريخ سوف يعيد نفسه؟